لم تعد قضية رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور مجرد نزاع مالي بين مستثمر والدولة اللبنانية، بل تحولت إلى مرآة تعكس واقعًا مؤلمًا عاشه لبنان على مدى سنوات طويلة، عنوانه الأخطاء المتمادية في إدارة الدولة والاقتصاد والاستثمارات. لكن الأخطر أن الحكومة الحالية، التي رفعت شعار استعادة الثقة وجذب الرساميل العربية والأجنبية، لم تنجح حتى الآن في احتواء هذا الملف، لتجد نفسها أمام أول اختبار استثماري كبير يبدو أنها أخفقت في اجتيازه.
فالقضية لم تعد مجرد تهديد إعلامي أو ورقة ضغط تفاوضية، بل أصبحت نزاعًا استثماريًا دوليًا مسجلًا رسميًا أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID) التابع للبنك الدولي في واشنطن، بموجب اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمارات الموقعة بين لبنان ودولة الإمارات العربية المتحدة. وبذلك، انتقل الملف من المؤسسات اللبنانية إلى واحدة من أهم هيئات التحكيم الاستثماري في العالم، في تطور لا ينعكس على طرفي النزاع فحسب، بل يطال صورة لبنان الاستثمارية بأكملها.
وبحسب البيانات الصادرة عن مجموعة الحبتور، فإنها لم تلجأ مباشرة إلى التحكيم، بل سبقت ذلك أشهر من محاولات التسوية، بعدما وجهت إشعار نزاع رسمي إلى الدولة اللبنانية، معتبرة أن الحلول الداخلية لم تؤد إلى نتيجة. وعندما يصل مستثمر بهذا الحجم إلى قناعة بأن اللجوء إلى القضاء الدولي هو الخيار الوحيد المتبقي، فإن المشكلة لم تعد مرتبطة بملف فردي، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الدولة نفسها على حماية الاستثمار وتسوية النزاعات داخل مؤسساتها.
وهنا تكمن المفارقة التي يصعب تجاهلها.
ففي الوقت الذي يجول فيه المسؤولون اللبنانيون على العواصم العربية والدولية مطالبين بالاستثمارات، ويؤكد رئيس الجمهورية جوزاف عون في مختلف لقاءاته أن لبنان عاد بيئة جاذبة لرؤوس الأموال، تجد الدولة نفسها في مواجهة أحد أبرز المستثمرين الخليجيين أمام هيئة تحكيم دولية. أي رسالة تصل إلى المستثمرين وهم يشاهدون مستثمرًا موجودًا في لبنان منذ سنوات طويلة ينقل نزاعه مع الدولة إلى واشنطن؟
صحيح أن جذور الأزمة تعود إلى حكومات متعاقبة وإلى الانهيار المالي الذي ضرب البلاد، لكن ذلك لا يعفي الحكومة الحالية من مسؤوليتها. فالحكومات لا تُحاسب على النوايا، بل على النتائج. وكان يفترض بحكومة الرئيس نواف سلام أن تجعل من هذا الملف أولوية، وأن تسعى إلى احتواء تداعياته قبل وصوله إلى التحكيم الدولي، لأن نجاحها في معالجة قضية بهذا الحجم كان سيشكل رسالة إيجابية إلى المجتمع الاستثماري العربي والدولي. إلا أن ما حصل كان العكس تمامًا.
فاليوم، لم تعد الدولة تواجه مستثمرًا واحدًا، بل تواجه تداعيات نزاع يُراقبه المستثمرون والمؤسسات المالية حول العالم. فالمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار ليس محكمة عادية، بل المرجع الأبرز عالميًا في النزاعات بين الدول والمستثمرين الأجانب، وأي قضية تُسجل أمامه تصبح موضع متابعة من الأسواق والمستثمرين، ليس فقط لمعرفة الحكم النهائي، بل لتقييم مدى استقرار البيئة الاستثمارية في الدولة المعنية.
ولذلك، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في قيمة أي تعويض قد يُحكم به مستقبلًا، بل في الكلفة غير المباشرة التي بدأت ترتبها القضية على سمعة لبنان. فالاستثمار لا يقوم على المؤتمرات والخطابات، بل على الثقة. وعندما تهتز هذه الثقة، تصبح استعادتها أكثر صعوبة من إصدار أي قانون جديد أو تقديم أي حوافز ضريبية.
إن قضية الحبتور ليست قضية رجل أعمال فقط، بل قضية دولة تحاول إقناع العالم بأنها دخلت مرحلة جديدة، فيما الوقائع ترسل إشارات معاكسة. وإذا كانت الحكومات السابقة تتحمل مسؤولية الوصول إلى هذا الواقع، فإن استمرار الأخطاء المتمادية وعدم إنتاج حلول فعلية يجعل الحكومة الحالية مسؤولة عن إدارة النتائج، ويطرح علامات استفهام جدية حول قدرتها على استعادة ثقة المستثمرين.
فالدول تُبنى بالثقة قبل أن تُبنى بالوعود، والاستثمارات تأتي إلى حيث توجد دولة قادرة على حماية الحقوق وحل النزاعات داخل مؤسساتها. أما عندما يصبح التحكيم الدولي هو الملاذ الأخير لأحد أكبر المستثمرين العرب، فإن القضية لم تعد تخص الحبتور وحده، بل أصبحت إنذارًا لكل من يفكر بالاستثمار في لبنان.

Social Plugin