نظام دولي غير متوازن
تبدو المنطقة وكأنها دخلت مرحلة “هدنات مؤقتة” أكثر منها تسويات نهائية.
فالهدنة الهشة في جنوب لبنان ليست معزولة عن المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، ولا عن التفاهمات الاقتصادية والسياسية بين دونالد ترامب وشي جين بينغ.
كل هذه الملفات تتحرك ضمن منطق واحد: تخفيف الانفجار الكبير، لا إنهاء الصراع.
في لبنان، الهدنة الحالية تبدو أقرب إلى “إدارة اشتباك” منها إلى سلام فعلي.
لا إسرائيل تريد حرباً شاملة طويلة الكلفة، ولا حزب الله يريد الذهاب إلى مواجهة مفتوحة قد تغيّر البيئة الداخلية والإقليمية بالكامل. لذلك تستمر المعادلة الحالية: ضربات محسوبة، رسائل نارية، وضبط إيقاع عبر الوسطاء الدوليين.
أما في ملف الولايات المتحدة – إيران، فهناك ما يشبه “هدنة استراتيجية غير معلنة”.
واشنطن تريد منع امتلاك طهران سلاحاً نووياً، لكنها لا تريد حرباً جديدة في الشرق الأوسط، خصوصاً مع انشغالها بالمنافسة مع الصين وملفات الاقتصاد العالمي.
في المقابل، إيران تريد تخفيف العقوبات والحفاظ على نفوذها الإقليمي من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تهدد النظام نفسه. لذلك نرى تفاوضاً غير مباشر، ورسائل تهدئة، يقابلها استمرار في بناء أوراق القوة.
أما القمة بين دونالد ترامب وشي جين بينغ — رغم الغموض الذي أحاط بنتائجها — فهي تعكس تحوّلاً أكبر:
العالم ينتقل من مرحلة الهيمنة الأميركية المنفردة إلى مرحلة توازنات حذرة بين القوى الكبرى.
الظاهر من أي تفاهم أميركي – صيني عادة يكون اقتصادياً وتجارياً، لكن جوهره أعمق:
ضبط الحرب التجارية.
منع الانهيار الكامل في سلاسل الاقتصاد العالمية.
إدارة التنافس على التكنولوجيا والطاقة والنفوذ.
تجنب مواجهة عسكرية مباشرة حول تايوان أو بحر الصين.
المشكلة أن هذه التفاهمات غالباً لا تنتج حلولاً نهائية، بل “تجميداً للأزمات”.
ولهذا تبدو القرارات ضبابية: لأن الأطراف الكبرى نفسها لا تريد حسم الصراع الآن، بل شراء الوقت وإعادة ترتيب موازين القوى.
المتوقع في المرحلة المقبلة قد يكون:
استمرار الهدوء النسبي في جنوب لبنان مع بقاء خطر الانفجار قائماً.
تفاوض أميركي – إيراني متقطع، يتقدم ويتراجع وفق الميدان والسياسة.
تصاعد المنافسة الأميركية – الصينية اقتصادياً وتكنولوجياً، مع تجنب الصدام العسكري المباشر.
زيادة الضغوط الاقتصادية على دول المنطقة، لأن القوى الكبرى تنقل صراعاتها إلى ملفات الطاقة والتجارة والممرات البحرية.
بروز نظام دولي أكثر اضطراباً، حيث لا توجد قوة قادرة وحدها على فرض الاستقرار الكامل.
*باختصار:*
العالم لا يتجه حالياً نحو سلام شامل، بل نحو “توازن هش”.
والهدنات القائمة : من لبنان إلى الملف الإيراني وصولاً إلى التفاهم الأميركي – الصيني , هي محاولات لمنع الانفجار الكبير، لا لإنهاء أسباب الانفجار نفسها.

Social Plugin