على جبهتين متلازمتين ميدانياً وسياسياً، تشهدان تصعيداً وتسخيناً كبيرين، يمضي لبنان في الاستعداد لجولة المحادثات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة برعاية أميركية والتي ستنعقد الخميس والجمعة المقبلين في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن.
توقعات متضاربة حيال الجولة المقبلة من المفاوضات
وتُعقد الجولة وسط توقّعات وتقديرات متضاربة حيال ما يمكن أن تفضي إليه، سواء على صعيد إعادة تثبيت وقف النار الذي انهار بشكل شبه شامل في الفترة الممدّدة له، أو على صعيد الاتفاق على وضع تفاهم – إطار لإطلاق مفاوضات في العمق بين لبنان وإسرائيل. وإذ ترصد الأوساط الديبلوماسية ما إذا كان الرفع النسبي في مستوى الوفدين المفاوضين، إن في رئاسة كل منهما أو على صعيد إدخال مسؤول عسكري، سيعني بدء التعمّق نحو المفاوضات الجوهرية على الملفات والنقاط والبنود الأمنية والحدودية وإعادة النازحين وصولاً إلى اتفاق سلام بين البلدين، تجنّبت الدوائر الرسمية المعنية، إن في رئاسة الجمهورية اللبنانية أو رئاسة الحكومة، استباق الجولة الثالثة بأي استشراف استباقي خارج النقاط الخمس التي زُوّد بها رئيس الوفد اللبناني المفاوض السفير السابق سيمون كرم.
وكان كرم اجتمع مرات عدة مع رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام قبيل سفره إلى واشنطن التي وصلها أمس. ومعلوم أن الوفد اللبناني سيطرح أولاً تثبيت وقف النار ومن ثم البحث في النقاط الأربع الأخرى المتعلقة بإطلاق الأسرى، وانسحاب إسرائيل، وإعادة الإعمار، ونشر الجيش في الجنوب حتى الحدود الدولية بعد تثبيتها استناداً لما نصّت عليه اتفاقية الهدنة. وإذ تتشدّد إسرائيل في المقابل بمطلب وشرط حصري تتمحور حوله عملية التفاوض برمتها وهو نزع سلاح "حزب الله"، تلفت الأوساط المعنية إلى أن موقع لبنان في الجولة المقبلة يبدو أشدّ تعقيداً وصعوبة في رهانه على التدخل الأميركي إلى جانبه في حال لم يقرن طرح مطالبه بخطة مقنعة حيال التزامه حصرية السلاح فعلاً. ولذا ستتجه الاهتمامات إلى ما يمكن أن يكون الوسيط والراعي الأميركي قد أعدّه لإنجاح هذه الجولة، وإلا فإن المراوحة بين المطالب المتعارضة للجانبين اللبناني والإسرائيلي قد تفضي إلى مزيد من تفاقم الأوضاع الميدانية
ما خلفيات التصعيد القياسي في العمليات والغارات؟
في أي حال شهدت الأيام الأخيرة تصعيداً قياسياً في العمليات القتالية والغارات أدت إلى سقوط عشرات الضحايا في الجنوب ومناطق بعيدة أخرى، فيما برزت معالم تسخين سياسي إضافي من جانب "حزب الله" بلغ حدود التحريض العلني على تفجير العلاقة بين رئاستي الجمهورية ومجلس النواب. إذ إن عضو المجلس السياسي في "حزب الله" الوزير السابق محمود قماطي، قال في هجوم جديد على الرئيس عون إن "رئيس الجمهورية اللبنانية يريد أن يجري تفاوضاً مباشراً مع العدو الإسرائيلي في ظل انقسام لبناني، وعليه فإننا نسأله، بأي حق تتجاوز ركناً أساسياً في الدولة وهو رئيس مجلس النواب نبيه بري، وبأي حق تأخذ وحدك قراراً يتعلق بمصير لبنان، وتخالف الوحدة الوطنية والدستور والقوانين والعزّة والكرامة ودماء الشهداء وتضحياتهم، فهل تريد أن تقدم خدمات لأميركا وإسرائيل على حساب الوحدة الوطنية اللبنانية؟".
ولعل من مؤشرات الفرز السياسي الذي تسبّب به "حزب الله" أن الاجتماع الذي عقد أمس في قصر بعبدا بمسعى نيابي لإنجاز توافق عريض على اقتراح قانون العفو العام، غاب عنه ممثلون للثنائي الشيعي وحده، فيما تمثّلت سائر الكتل الأخرى فيه. وقد رأس رئيس الجمهورية الاجتماع في حضور وزير الدفاع ميشال منسى، والنواب: أشرف ريفي، سليم الصايغ، ميشال معوض، أحمد الخير، بلال عبدالله، وضاح الصادق، فراس حمدان، غادة أيوب. وتم خلال الاجتماع البحث في المداولات المتعلقة باقتراح القانون الرامي إلى منح عفو عام وخفض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي. وأفيد بأن الاجتماع جاء بعد تشاور بين نواب من كتل عدة، وبادر النائب ميشال معوض إلى طلب رعاية الرئيس عون للاجتماع في بعبدا بحضور معظم الكتل باستثناء من اعتذر منهم. وجرى عرض للنقاط الخلافية في الاقتراح واتفق على استكمال الاتصالات السياسية لإيجاد الصيغ التوافقية خصوصاً حول ملف الموقوفين منذ مدد طويلة بلا محاكمة وخفض العقوبات للجرائم المستثناة من العفو.
ما أبرز نتائج زيارة الرئيس سلام إلى دمشق؟
ويشار إلى أن ملف المفاوضات لم يغب عن المروحة الواسعة من المواضيع التي تناولتها زيارة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام لدمشق السبت ولقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، حيث أعلن في ختامها "أننا أحرزنا تقدماً كبيراً في معالجة قضايانا المشتركة، لا سيما ما كان عالقاً منها، وذلك بروح طيّبة وحرص على التعاون بلا تحفّظ ولا تردّد. وإنني على ثقة أن نتائجها الملموسة ستظهر قريباً". وأوضح أن الزيارة جاءت "ليس فقط لمتابعة ما بدأناه منذ عام وأكثر، بل لإطلاق مبادرات جديدة في العمل المشترك وللتأكيد، مرّة أخرى، على أهميّة العلاقة بين الدولتين في كل المجالات وعلى مستوى المؤسسات الرسمية المعنية جميعها. ونحن ندرك تمام الإدراك أن تمتين العلاقة من دولة إلى دولة يفتح الباب واسعاً أمام التفاعل والتشارك بين القوى الحيّة في البلدين، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد بحثنا في التحديات الكبيرة التي تواجه لبنان وسوريا في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة على أكثر من صعيد واتفقنا على أهمية استمرار التشاور بشأنها لما فيه مصلحة البلدين". وعدّد بالتفصيل الملفات المشتركة التي تناولتها المحادثات بين وفدي البلدين.
أما على الجبهة الميدانية ووسط تنامي المخاوف من تصعيد متدرّج قبيل جولة واشنطن، فأعلن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير إنه "لا يوجد وقف لإطلاق النار في الجبهة الشمالية"، وأضاف: "هدفنا منع تهديد الصواريخ المضادة للدروع ومنع التسلّل للجليل وتهيئة ظروف تفكيك حزب الله". وتابع: "لم يحدد للجيش الإسرائيلي هدف نزع سلاح حزب الله"
وغداة يوم تصعيدي واسع السبت سقط فيه عشرات القتلى والجرحى جراء عشرات الغارات الإسرائيلية، أعلن الجيش الإسرائيلي أمس أنه "دمّر نحو 70 هدفاً في جنوب لبنان وقضينا على أكثر من 30 عنصراً من "حزب الله" خلال الأسبوع الأخير".
وعاشت بلدة الخيام ليلاً دامياً على وقع سلسلة تفجيرات إسرائيلية عنيفة هزّت أرجاء المنطقة، بعدما أقدم الجيش الإسرائيلي على تنفيذ عمليات نسف وتدمير طالت منازل سكنية ومؤسسات ومحلات تجارية، مخلفاً دماراً واسعاً وأضراراً جسيمة. وأغار الطيران المسيّر على دراجة نارية على طريق عام القليلة، دير قانون، ما أدى إلى مقتل سوريين اثنين، وعملت فرق الدفاع المدني على سحبهما بالتنسيق مع الجيش. واستهدف الطيران الحربي الإسرائيلي منذ الصباح العديد من البلدات ووجّه مساءً إنذاراً إلى بلدات في قضاء جزين.
ونفّذ الطيران الإسرائيلي غارة على نقطة إسعافية للهيئة الصحية الإسلامية في منطقة عين المزراب في بلدة مجدل سلم، ما أدى الى مقتل مسعف وجرح آخرين.

Social Plugin