العميد الركن الدكتور بهاء حسن: حلال التحولات الجيوسياسية في النظام الدولي: الشرق الأوسط بين تراجع الهيمنة الأمريكية وصعود التوازنات متعددة الأقطاب


كتب العميد الركن الدكتور
   بهاء حسن حلال


تشهد البيئة الدولية في المرحلة الراهنة تحولاً عميقاً في بنية النظام العالمي، يتمثل في الانتقال التدريجي من نموذج الأحادية القطبية الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، إلى نموذج أكثر تعقيداً يقوم على تعدد مراكز القوة وتداخل المصالح الإقليمية والدولية.
ويبدو أن الشرق الأوسط أصبح أحد أهم مسارح هذا التحول، ليس فقط بسبب موقعه الجيوسياسي وموارده الاستراتيجية، بل أيضاً لأنه بات ساحة اختبار فعلية لمعادلات الردع وتوازن القوى الجديدة.

أولاً: تراجع الهيمنة الأمريكية وإعادة تعريف التحالفات

منذ حرب العراق عام 2003، ثم الانسحاب من أفغانستان، وصولاً إلى الحرب في أوكرانيا والتوترات مع إيران والصين، بدأت تظهر مؤشرات واضحة على تراجع القدرة الأمريكية على فرض إرادتها السياسية والعسكرية بصورة منفردة.
هذا التراجع لا يعني انهيار القوة الأمريكية، بل يعكس انتقالاً من الهيمنة المطلقة إلى إدارة التوازنات.

في هذا السياق، بدأت دول إقليمية رئيسية، وعلى رأسها Saudi Arabia، بإعادة صياغة سياستها الخارجية وفق منطق “تنويع الشراكات الاستراتيجية”، بدلاً من الاعتماد الأحادي على المظلة الأمريكية.
فالموقف السعودي خلال التصعيد مع Iran عكس إدراكاً متزايداً بأن الانخراط في مواجهة إقليمية شاملة قد يخدم أطرافاً دولية أكثر مما يخدم الأمن القومي الخليجي.

ومن هنا يمكن فهم الخطاب السياسي السعودي الجديد، ليس باعتباره انتقالاً كاملاً إلى محور مضاد لواشنطن، بل كتعبير عن سعي الرياض إلى تعزيز استقلالية القرار الاستراتيجي ضمن بيئة دولية متغيرة.

ثانياً: أوروبا وأزمة الثقة عبر الأطلسي

الحرب الأوكرانية كشفت أيضاً عن تصدع متزايد داخل المنظومة الغربية.
فعلى الرغم من استمرار الشراكة داخل NATO، إلا أن عدداً من الدول الأوروبية بات ينظر بقلق إلى احتمالات عودة السياسات الانعزالية الأمريكية، خاصة مع تصاعد تيار “أمريكا أولاً”.

هذا القلق دفع بعض العواصم الأوروبية إلى التفكير في تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية المستقلة، وتقليل الاعتماد الاستراتيجي على واشنطن، وهو ما يعكس تحوّلاً مهماً في مفهوم الأمن الأوروبي منذ نهاية الحرب الباردة.

ومع أن الحديث عن “ناتو بلا أمريكا” لا يزال مبالغاً فيه عملياً، إلا أن فكرة “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي” أصبحت جزءاً حقيقياً من النقاش السياسي داخل أوروبا.

*ثالثاً: الحرب الأوكرانية واستنزاف القوة الصلبة الأمريكية*

أحد أهم المتغيرات التي أثرت في صورة القوة الأمريكية هو الاستنزاف العسكري والاقتصادي الناتج عن الدعم طويل الأمد لأوكرانيا، إلى جانب الالتزامات العسكرية في الشرق الأوسط وآسيا.

وقد أثارت تصريحات شخصيات أمريكية، مثل Mark Kelly، نقاشاً واسعاً حول محدودية المخزون الصناعي العسكري الأمريكي، خصوصاً في ما يتعلق بالصواريخ الدقيقة والذخائر المتطورة.
وتكشف هذه الأزمة عن مشكلة أعمق ترتبط بسلاسل التوريد العالمية، حيث تعتمد الصناعات العسكرية والتكنولوجية الغربية بشكل كبير على المعادن النادرة التي تسيطر China على نسبة كبيرة من إنتاجها ومعالجتها.

وهنا يظهر أحد أهم عناصر القوة في النظام العالمي الجديد:
التحكم في الموارد الصناعية والتكنولوجية لم يعد أقل أهمية من التفوق العسكري التقليدي.

رابعاً: الصين واستراتيجية الصعود الهادئ

على عكس النموذج الأمريكي القائم تاريخياً على التحالفات العسكرية والانتشار العسكري المباشر، تعتمد بكين على استراتيجية مختلفة تقوم على النفوذ الاقتصادي، وربط الأسواق، وبناء شبكات الاعتماد المتبادل.

وقد استفادت الصين من التوترات الدولية لتقديم نفسها كقوة استقرار وشريك اقتصادي بديل، خصوصاً في الشرق الأوسط.
فالعلاقات المتنامية بين الصين وكل من Iran وSaudi Arabia تعكس قدرة بكين على التحرك بمرونة داخل بيئة إقليمية معقدة، دون الانخراط المباشر في الصراعات العسكرية.

كما أن الوساطة الصينية بين الرياض وطهران مثلت مؤشراً رمزياً على التحول في موازين النفوذ الدولي داخل المنطقة.

خامساً: الشرق الأوسط كمساحة لإعادة إنتاج التوازن الدولي

التحولات الحالية لا تشير إلى “سقوط” الولايات المتحدة بقدر ما تشير إلى نهاية مرحلة تاريخية كانت فيها واشنطن اللاعب المهيمن الوحيد.
فالقوى الإقليمية أصبحت أكثر استقلالية، والقوى الدولية المنافسة باتت أكثر قدرة على التأثير.

وبالتالي، فإن المنطقة تتجه نحو نموذج أكثر تعقيداً يقوم على:

تعدد الشركاء الدوليين،

توازنات مرنة بدل التحالفات الصلبة،

إدارة الصراع بدل الحسم العسكري،

وتزايد أهمية الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا في تشكيل النفوذ.


*الخاتمة*

ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط وفي النظام الدولي عموماً يمكن فهمه ضمن إطار “الانتقال الجيوسياسي العالمي” من الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية.
فالولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر، لكنها لم تعد قادرة على التحكم المنفرد بمسارات النظام الدولي كما كان الحال بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

في المقابل، تواصل الصين توسيع نفوذها عبر الاقتصاد والتكنولوجيا، بينما تسعى القوى الإقليمية، مثل السعودية وإيران وتركيا، إلى بناء سياسات أكثر استقلالاً عن الاستقطاب التقليدي.

وعليه، فإن المرحلة القادمة لن تُحسم عبر مواجهة عسكرية مباشرة بين القوى الكبرى، بل عبر صراع طويل على النفوذ، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والتكنولوجيا، وإعادة تشكيل شبكات التحالف العالمية.

الشرق الأوسط لن يكون مجرد ساحة لهذا التحول، بل أحد أهم العوامل المؤثرة في تحديد شكله النهائي.