في مدينةٍ تتقاطع فيها السماء مع وجع الأرض، وتُثقلها الحواجز كما تُثقلها الصلوات، فتحت كنيسة القيامة أبوابها أخيرًا، كأنها تُعلن أن الضوء، مهما تأخّر، لا يُهزم.
في الأسبوع العظيم، حيث تختبر الأرواح أقصى درجات الإيمان، حاولت العتمة أن تُغلق الأبواب، أن تُؤجّل القيامة، وأن تُطفئ انتظار المؤمنين. لكن النور، كما في كل عام، خرج من قلب القبر، لا كطقسٍ ديني فحسب، بل كصرخة حياةٍ في وجه كل ما يشبه الموت.
من القدس، حيث تبدأ الحكاية، انطلقت الشعلة. لم تكن مجرد نارٍ تُنقل، بل معنىً يُحمل، ورسالةٌ تعبر الحدود أسرع من كل الانقسامات. في ساعاتٍ قليلة، كانت في طريقها إلى بيروت، مدينةٍ تعرف جيدًا كيف تعيش بين الرماد والرجاء، لتصل مساءً وتُوزّع على الكنائس، كأنها تُعيد ترتيب الضوء في قلوب الناس.
هذا العام، لم يكن المشهد عاديًا.
فلبنان، المثقل بأزماته، لم يستقبل النور كعادةٍ سنوية، بل كحاجةٍ وجودية. كأن الشعلة تقول له: “لا قيامة بلا جرح، ولا حياة بلا عبور.” في بلدٍ يتأرجح بين القلق والأمل، تحوّل النور إلى مساحة معنوية، إلى لحظةٍ يتذكّر فيها الناس أن الانكسار ليس نهاية الطريق.
إسرائيل تحول القدس إلى ثكنة عسكرية تزامناً مع إحياء سبت النوررغم الإجراءات المشدّدة في القدس، ورغم الحواجز التي حاولت أن تعيق وصول المصلّين إلى البلدة القديمة، بقيت الصلاة أقوى من المنع، وبقي الإيمان يتسلّل من بين الأسلاك والحجارة. المدينة التي حُوّلت إلى ثكنة، عادت للحظاتٍ كنيسةً كبرى، يتقاسم فيها المؤمنون الضوء بدل الخوف.
في لبنان، التحضيرات جرت بهدوءٍ يشبه الصلاة الصامتة. حضورٌ مرتقب، وقلوبٌ مفتوحة على أملٍ لا يُقاس بالظروف. فالإصرار على إحياء هذا التقليد، رغم كل شيء، ليس تفصيلاً… بل موقف. موقف يقول إن ما يُبقي هذا الشرق حيًّا، ليس فقط صموده، بل إيمانه العميق بأن النور يولد دائمًا من قلب العتمة.
شعلة النور المقدّس، هذا العام، ليست ذكرى تُعاد…
بل وعدٌ يُكتب من جديد.
وعدٌ بأن هذا الوطن، مهما طال ليله، لا بدّ أن يعرف فجرًا يشبه قيامته.
بانتظار وصول الشعلة مساء اليوم الى بيروت

Social Plugin