جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة
قد تنتهي الحرب الأميركية - الإسرائيلية على جمهورية إيران الإسلامية. لكنّ حرب الدولة العبرية على لبنان لن تنتهي، لأنّها حلقة في مسلسل حروب تتفاوت حدّتها ومداها الزمني ورقعتها الجغرافية انحساراً أو توسعاً.
تُجمِع تقارير المحلّلين الاستراتيجيِّين غرباً وشرقاً، على أنّ الهدف الرئيس لتل أبيب هو إخضاع الدول العربية المحيطة بها، وصولاً إلى تركيا، لسلطانها المطلق وسلبها سيادتها وتحويلها دولاً فاقدة الحضور على المستوى الدولي والإقليمي.
لن تترك إسرائيل سوريا ولبنان والعراق تنعم بالأمن والاستقرار، وهي تفصّل في تعاطيها معها فصلاً تاماً بين ما يجري بينها وبين إيران. وفي هذه المرحلة لن تستأنف إسرائيل مخطط «الترانسفير» الجاهز للتطبيق من قِبلها في أي لحظة في غزة، لأنّها تحسب حساباً جاداً للقرار المصري الحاسم في التصدّي له. وهي أرجأت دفع فلسطينيِّي الضفة في اتجاه الأردن، لأنّ المملكة لا تزال تتكئ على حماية الولايات المتحدة وبريطانيا، التي ترفض مجرّد البحث معها في هذا الموضوع الذي يعنيها ويعني لها الكثير. ما من مرّة ابتعدت لندن عن عمان. في حين أنّ تصعيد تل أبيب ضدّ فلسطينيّي الضفة وسط عجز سلطة «رام الله» عن وقفها، يُبقي مسألة «الترانسفير» نحو الأردن مفتوحة.
وهناك مسألة «إسرائيل الكبرى» التي تحدّث عنها سفير واشنطن لدى الدولة العبرية مايك هاكابي، والعديد من قادة هذه الدولة ومسؤوليها. فهذه الدولة لا يمكن أن تتوسع بالاحتلال المباشر، لأنّ الواقع الديموغرافي للدولة العبرية لا يسمح لها بذلك، عدا أنّ ذلك - لو حصل فرضاً - فإنّه سيواجَه بمقاومات في الدول المستهدفة. لذلك، فإنّ خطة تل أبيب الأولى هي الاحتفاظ بالتفوُّق العسكري، وتسديد ضربات موجعة وقاسية إلى المصالح والمنشآت الاستراتيجية لهذه الدول، وانتزاع مخالب القوّة لديها، وتحويل جيوشها إلى ما يشبه شرطة رقابة على حدودها معها، وقوى أمن في الداخل. وإذا نظرنا إلى الحصار المفروض على الجيش اللبناني من خلال منعه من امتلاك السلاح الدفاعي الرادع، وإلى التدمير الكبير والشامل الذي طاول الجيش السوري منذ اللحظة الأولى التي غادر فيها بشار الأسد دمشق، والعثرات التي تحول دون بناء جيش بديل بالمواصفات التي تُعتمَد في إنشاء جيوش نظامية. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ العمل جارٍ على إضعاف سلطة الدولة في العراق أكثر فأكثر، والغرق في فوضاه والتداخل بين الجيش والفصائل المسلحة التي اضطرّت الدولة إلى «شرعنتها» لإبقاء «شعرة معاوية» معها بديلاً من مواجهة عبثية. أمّا تركيا الحذرة من خطط إسرائيل، فيحكم علاقاتها مع الأخيرة ارتياب متبادل، على رغم ما يتخلّل هذه العلاقة من تخادم أحياناً في موضوعات معيّنة. فتل أبيب لا تنظر بعين الرضا لعلاقات أنقرة مع «حماس»، ولا تستسيغ صلات رجب الطيب أردوغان مع الإخوان المسلمين، وبالتالي فإنّها لا تريد أن تريح هذا البلد الإسلامي المهمّ بموقعه الجيوسياسي والاستراتيجي، وتعمل على محاصرته بالمشكلات، بإثارة المتاعب له على يَد الأكراد، ومن خلال تحريك المعارضات في الخارج والداخل.
إنّ إغلاق صفحة المواجهة الأميركية - الإسرائيلية مع إيران، سيُبقي صفحات أخرى مشرّعة، لا لتصفية ما يوصف «بأذرع» الجمهورية الإسلامية فحسب، بل لإيجاد واقع جديد يقوم على إضعاف الدول المحيطة بها بَعُدَت أو قَرُبَت، وذلك بتغذية النعرات الطائفية والعرقية والسياسية بين مكوّنات هذه الدول، خصوصاً في لبنان وسوريا. وقد بلغت النعرات بين العديد من المكوّنات اللبنانية مرحلة متقدّمة قد تشارف على الإنفجار، على خلفية النزوح الذي تسبَّبت به إسرائيل عمداً، وطاول ما يربو على الـ 750 ألف مواطن، أكثريّتهم الساحقة من أبناء الطائفة الشيعية. ومرادها من كل ذلك تحقيق شروط التصادم مع البيئات المضيفة، والدفع في اتجاه حرب أهلية، نجحت الدولة والجيش والقيادات اللبنانية السياسية، ولا سيما الروحية، في استباقها بالتطويق وإحباطها. وكان هذا الأمر قد بدأ في سوريا مع أحداث السويداء، الساحل، وحمص، من دون أن ينجو المسيحيّون في بعض المناطق من تداعياتها.
ولن يكون العراق في منأى عن الخطة الإسرائيلية التفكيكية للبلدان المحيطة، نظراً لواقعه المجتمعي المركّب طائفياً وإتنياً، خصوصاً في ضوء الإلتباس القائم أيضاً بين مكوّناته، وحذر المكوّن الشيعي من الحضور الإسرائيلي الناشط في إقليم كردستان.
على أنّ الحرب وإن طُوِيَت فرضاً بين إسرائيل وإيران، فإنّ الأخيرة ستفتقد إلى علاقات حُسن جوار مع محيطها العربي في دول الخليج التي استُهدِفَت من طهران، واعتبرت أنّ ما قامت به الأخيرة من اعتداءات موصوفة وغير مبرَّرة، هو إخلال فادح بقواعد السلم الإقليمي. وهذا يعني عودة العلاقات الإيرانية-الخليجية إلى ما كانت عليه من تدهور سابقاً.
في خلاصة القول، إنّ إسرائيل لن تكتفي باقتطاع أراضٍ ومواقع في كل من لبنان وسوريا من أجل الحفاظ على أمنها، بل بإثارة الفتن والنعرات في هذَين البلدَين، بالإضافة إلى بلاد الرافدَين، وإقلاق راحة تركيا، وإعادة إنتاج التوتر بين الجمهورية الإسلامية في إيران ودول الخليج العربي.
في الخلاصة، إنّ توقف الحرب العسكرية لا يعني أنّ المنطقة ستجتنّب حرباً أشدّ قسوة وإيلاماً عنوانها: الفتنة بديل من الحرب بعد انتهائها.


Social Plugin