كارثة صامتة في الكورة… نزف سكاني وتمدّد الأمراض يكشف "إبادة جماعية"



في واحدة من أخطر الملفات البيئية والصحية في لبنان، تتكشف فصول كارثة صامتة تضرب الكورة منذ عقود، حيث تختلط الانبعاثات السامة بالغبار المجهري لتصنع مشهدًا يوصف بـ"الإبادة الجماعية البطيئة". بين مقالع مفتوحة وأفران مشتعلة بالفحم الحجري والبترولي، تتراكم الأدلة على جريمة بيئية موصوفة، لا تقتصر تداعياتها على تدمير الطبيعة، بل تمتد إلى الإنسان، فتُفرغ المنازل من سكانها وتحوّل القرى إلى بؤر مرضية تتزايد فيها معدلات السرطان وأمراض القلب بشكل مقلق.

في هذا السياق، أكد منسّق لجنة كفرحزير البيئية جورج العيناتي في حديث أن "عددًا من المنازل في القرى المحيطة بشركات الترابة في الكورة قد أقفل بعد ان فقد سكانه حياتهم، إما نتيجة أمراض السرطان على اختلاف أنواعها، أو بسبب النوبات القلبية والسكتات الدماغية". بالاضافة الى عدد كبير من المصابين بالربو والحساسية وسائر الامراض الصدرية.

وأضاف أن "المشهد لم يعد حالات فردية، بل بات ظاهرة متكررة، حيث تضم بعض المقابر عدة أفراد من العائلة نفسها قضوا بالسرطان في ربيع العمر، فيما سُجّلت حالات لعائلات فقدت أكثر من فرد داخل المنزل الواحد نتيجة الأمراض نفسها"، معتبرًا أن "ما يحصل هو كارثة سرطانية حقيقية جعلت المنطقة غير صالحة لحياة الإنسان والحيوان والنبات".

وفي الجانب البيئي، أشار العيناتي إلى أن "الأراضي تحوّلت إلى مقالع واسعة، ما دفع حتى الحيوانات البرية إلى الهجرة"، لافتًا إلى أن "شركات الترابة تسببت بالقضاء على ملايين الأشجار المثمرة، من تين ولوز وعنب، إضافة إلى اقتلاع أكثر من مليون شجرة زيتون تاريخية".

وتابع أن "تحوّل المقالع إلى مستنقعات ساهم في رفع نسبة الرطوبة، ما أدى إلى انتشار أمراض فطرية خطيرة تصيب الأشجار، أبرزها مرض عين الطاووس".

أما في الشق الصحي، فلفت إلى أن "الصخور الكلسية في المقالع تحتوي على مواد خطرة مثل الكبريت والزئبق والمعادن الثقيلة، ومع عمليات الجرف والطحن، ينتج غبار مجهري محمّل بهذه المواد، ما يشكل خطرًا مباشرًا على صحة السكان".

وأضاف أن "حرق هذه المواد في الأفران باستخدام الفحم الحجري والبترولي يؤدي إلى انبعاثات شديدة السمية، تُعد من أبرز مصادر إطلاق الزئبق، الذي لا يقتصر خطره على التسبب بالسرطان، بل يمتد إلى التأثير على الجهاز العصبي، والتسبب بفقدان التركيز لدى الأطفال، وتسريع مظاهر الشيخوخة، وزيادة خطر الجلطات".

كما أشار إلى أن "أفران الكلنكر الإسمنتي (مادة صلبة تنتج في صناعة الأسمنت البورتلاندي كمنتج وسيط) تنتج كميات كبيرة من الغازات الملوثة، بينها ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد الكبريت والنيتروجين، التي تتحول مع الرطوبة إلى أمطار حمضية، ما يزيد من تدهور البيئة". وأوضح أن "إنتاج طن واحد من الإسمنت يرافقه انبعاث كميات كبيرة من الغازات والغبار، إضافة إلى نفايات صناعية خطرة".

وفي سياق متصل، حذّر من أن "رماد الفحم الحجري والبترولي المتطاير يحتوي على مواد مشعة، ويتم طمر كميات كبيرة منه في أودية الكورة فوق المياه الجوفية، ما يشكل خطرًا بيئيًا مضاعفًا".

ولفت العيناتي إلى أن "الواقع القائم يخالف المعايير البيئية، خصوصًا أن هذه المصانع والمقالع تقع في مناطق سكنية وزراعية، وفوق مصادر المياه الجوفية تماما ، فيما يفترض أن تكون بعيدة عن التجمعات السكانية وفق المخطط التوجيهي للمقالع والكسارات". وشدد على "ضرورة التعامل مع هذه المواقع كأماكن تلوث خطير وجرائم بيئية، ومنع الاقتراب منها لعشرة سنوات، كما نبه الى ان عنوان إعادة التأهيل".هو خدعة تقوم بها شركات الترابة الخارجة على القانون.

قضائيًا، كشف العيناتي أن "التحقيقات والمحاكمات انطلقت على خلفية دعاوى مقدّمة من النيابة العامة البيئية في الشمال بحق شركتي الترابة في شكا والهري، على خلفية الجرائم البيئية المرتكبة"، مشيرًا إلى أن "المدعى عليهم خضعوا للتحقيق أمام الجهات المختصة، كما تم الادعاء عليهم من قبل النيابة العامة المالية بجرائم التعدي على الأملاك العامة والتهرب الضريبي، ولا تزال الملفات قيد المتابعة القضائية".

وأضاف أن "هناك دعاوى إضافية مقدّمة بموجب قانون المياه، في ظل مخالفات تتعلق بإقامة مصانع ومقالع فوق أهم مصادر المياه الجوفية وبين الينابيع، في مخالفة واضحة للقوانين المرعية الإجراء".

كما أوضح أن "استيراد الكلنكر من الخارج، ولا سيما من صحراء سيناء، ساهم في خفض جزئي لمستوى التلوث الناتج عن الإنتاج المحلي، إلا أنه لا يلغي المخاطر الصحية المرتبطة بهذه المادة، والتي يسبب غبارها أمراضًا خطيرة كسرطان المعدة والرئة والقولون، إضافة إلى الربو".