“المواجهة أصبحت بين حزب الله والدولة اللبنانية”. بهذا الوضوح يختصر وزير العدل عادل نصّار المشهد اللبناني في حديث إلى “النهار”. فبعد قرار مجلس الوزراء اعتبار العمل الأمني والعسكري للحزب خارجاً عن القانون، وبعدما جرّ الأخير الوطن برمّته إلى حرب استنزاف دعماً لإيران، تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام مأزق جدّي ومعقّد.
في موازاة ذلك، يرزح القضاء تحت ضغط هائل من الملفات والقرارات والأحكام، في ظل ضغط متزايد على مؤسسات الدولة، بدءاً من ملف السجون، مروراً بالحرب، وصولًا إلى قرارات الحكومة المتعلقة بحصرية السلاح.
في ملف نقل السجناء السوريين إلى بلادهم، يكشف نصّار أن العملية “جرى تنفيذها على الحدود بين الأمن العام اللبناني والأمن العام السوري، حيث تم نقل 137 سجيناً مستوفياً للشروط من أصل نحو 300، ليستكملوا محكوميتهم في السجون السورية وفقاً لاتفاقية جرى توقيعها”.
وعن الاحتجاجات في سجن رومية، وهل يعتبرها محقّة في ظل تأخر المحاكمات لسنوات، يرفض نصّار ذلك، رغم إقراره بوجود تأخير في بعض الملفات لأسباب وظروف سابقة، ويقول: “في غير هذه الحالات، المحاكم تتابع الملفات، وجميع القضايا تُعالج بالسرعة القصوى. وهناك إجراءات قضائية قائمة ومتابعة مستمرة، وإذا تجاوزت مدة التوقيف الاحتياطي الحد الذي ينص عليه القانون، تتم المتابعة من القضاة المعنيين وهيئة التفتيش القضائي، للتأكد من حصول إخلاءات السبيل عند تجاوز المدة القانونية”.
ويضيف: “من الطبيعي أن يطالب السجناء بخفض العقوبات، لذلك أعددت مشروع قانون وأرسلته إلى مجلس النواب، يمنح لجنة خفض العقوبات صلاحيات أوسع وسلطة تنفيذية، بحيث تصبح قراراتها قابلة للتنفيذ من دون استثناءات، ما يتيح لها النظر في مختلف الحالات”.
وبين ملف نقل السجناء السوريين ومشكلة الاكتظاظ، يبرز مجدداً موضوع العفو العام، إذ يحسم نصّار الجدل قائلًا: “هذا الموضوع يعود إلى مجلس النواب الذي يتخذ القرار”.
وبسؤاله عن شعور بعض اللبنانيين، ولا سيما من الطائفة السنية بوجود ظلم في السجون لأنه كان يتم توقيفهم، في حين كان غيرهم يمر بسلاحه الكامل، يرفض نصّار المقاربة الطائفية، معتبراً أن “لا أحد يختزل طائفة، والدولة اللبنانية مسؤولة عن أمن جميع اللبنانيين وحمايتهم بصورة فردية. المشكلة الأساسية تكمن في محاولة الأحزاب اختزال الطوائف، لكن الدولة مسؤولة عن جميع مواطنيها من دون استثناء”.
ويشدّد على أنه “كان هناك موقف غامض من الدولة اللبنانية قبل تشكيل هذه الحكومة، حيال مسألة امتلاك “حزب الله” السلاح، ولكن لم يعد في الإمكان القول إن هذا الغموض لا يزال قائماً، فالدولة أكدت أن حصر السلاح قرار نهائي غير قابل للتراجع، وقد ورد في البيان الوزاري الذي نالت الحكومة الثقة على أساسه”.
ويلفت إلى أن “الحزب لديه جمهور، لكنه ليس ممثل طائفة، ولا يمكنه اختزالها أو التحدث باسمها، وهذا ينطبق على جميع الأحزاب”.
وفي ملف إطلاق موقوفين بحمل السلاح مقابل 20 دولاراً، يشير إلى أن “الغموض السابق في موقف الدولة من السلاح انتهى، وهذا القرار كسر فكرة أن الانتماء إلى الحزب يشرّع حمل السلاح”. ويردف: “بصفتي وزيرا للعدل، لا أقيّم ما إذا كانت العقوبة مرتفعة أو لا، إذ إن هناك مسارات قضائية ورقابية تقوم بواجبها في هذا الشأن، ولا تزال هناك قضايا منظورة أمام المحاكم التي يعود لها بتّها في ضوء الواقعين القانوني والدستوري. وفي حال حصول توقيف ثم إطلاق سراح، فإن ذلك يدخل ضمن صلاحيات القضاء. وإذا وُجدت شبهات بوجود تدخل أو ضغوط، يمكن المتقاضي أو المعني، أو حتى وزير العدل، اللجوء إلى الهيئة المختصة للنظر في الأمر، حيث تتولى التحقق من وجود أي شوائب في الإجراءات”.
في الشق السياسي والأمني، يرسم نصّار صورة واضحة لتحوّل موقف الدولة، معتبراً أن “كل غموض أزيل بعد تأكيد الدولة أن حصرية السلاح قرار نهائي غير قابل للرجوع”. ويشدد على أن مفهوم “المقاومة” انتهى بعد العام 2000، وما تلا ذلك من أحداث، من 2006 إلى 2008، مروراً بالتدخل في سوريا وصولاً إلى الحرب الحالية، “خارجة كلياً عن منطق المقاومة”.
ويذهب أبعد، ملاحظا أن ما حصل أخيراً هو “تعريض لبنان للحرب”، ومشيراً إلى وجود “تنسيق بين العمليات التي تنطلق من لبنان وتلك التي تنطلق من إيران، بمنطق تكامل، وكأن حزب الله جزء من المنظومة الدفاعية التابعة لإيران، وهو ما يخرج كلياً عن المصلحة اللبنانية”.
في المقابل، لا يغفل إدانة العدوان الإسرائيلي، مشيراً إلى أنه “يؤدي إلى كوارث إنسانية وقتل أطفال ونزوح هائل”، ويؤكّد أن الدولة “تواجهه بإدانة شديدة اللهجة، لكن فاعلية المواجهة ترتبط بقدرة الدولة”، معتبراً أن “مصلحة لبنان تكمن في جرّ إسرائيل إلى الملعب الديبلوماسي والسياسي بدلاً من أن تجرّ إسرائيل لبنان إلى الملعب العسكري، حيث تتمتع بقوة تدميرية ودعم خارجي هائل، وذلك بإقرار من حزب الله نفسه بعدم وجود تكافؤ في موازين القوى”.
وفي ما يتعلق بقدرة الدولة على تنفيذ قراراتها، يعترف بوجود تراكمات تمتد 30 عاماً، موضحاً أن المرحلة السابقة كانت تقوم إما على “تبنّي سلاح حزب الله” وإما اعتباره “مسألة خلافية”، أما اليوم “فصارت المواجهة بين الحزب والدولة اللبنانية”.
ويؤكد أن قرار حصر السلاح “ليس انصياعاً لمطلب أميركي أو إسرائيلي”، بل “يرتبط مباشرة بمصلحة الدولة اللبنانية ومصلحة الشعب”، لافتاً إلى أن هذا القرار اتُّخذ قبل الانجرار إلى الحرب. ويضيف أن ذلك “لا يعني على الإطلاق أن الدولة غير واعية لضرورة مواجهة العدوان الإسرائيلي، إنما هذه المواجهة لا تكون على حساب دم اللبنانيين، بل عبر المحافل الدولية، شرط أن تكون فعّالة، وهذه الفاعلية يعرقلها حزب الله”.
وعن تعنّت الحزب، يقول نصّار إن تمرده “يضعف قدرة لبنان على المواجهة الديبلوماسية، إذ يعطّل هذا المسار ويشتكي من عدم نجاحه في الوقت نفسه”. ويحمّله مسؤولية نقل لبنان “من حالة اعتداءات إسرائيلية إلى حالة حرب”.
أما في ما يتعلق بالتحرك القانوني الدولي، فيؤكد ضرورة “سلوك أي قناة يمكن أن توقف الاعتداءات على لبنان”، لكنه يشدد مجدداً على أن هذا المسار “يعطّله وجود سلاح خارج الدولة”.
وبالسؤال عما أُثير حول خلية لـ”حزب الله” في الكويت، يجيب: “لم تردني أي معلومات عن هذا الموضوع، وأنا في انتظار ما إذا كان سيُقدَّم طلب مساعدة قضائية إذا تبيّن وجود ملف فعلي. وإذا ثبت ذلك، فإن لبنان سيتعاون وفقاً للأصول والقوانين المرعية”.
في خضمّ مشهد الحرب الضاغط، تبدو معركة لبنان اليوم مزدوجة: عدالة في الداخل وسيادة في الخارج. وفي قلب هذه المواجهة، يبرز السؤال: هل لا يزال ممكناً تطبيق قرار حصر السلاح بعد انتهاء الحرب؟ يختصر وزير العدل الرّد بالقول: “بدّه يتطبق وإلا ما في بناء دولة!”.

Social Plugin