المفتي شريفة: لبنان اليوم ليس ساحة لتبادل الرسائل ولا منصة لتصفية الحسابات




القول المأثور: العاقل هو الذي يضع الأمور في نصابها إن صدى خطاب رئيس حزب القوات اللبنانية، الدكتور سمير جعجع، قد لا يتجاوز في تأثيره الإطار الحزبي نفسه، ولا يمكن لعاقل أن يظن أنه يعبّر عن مجمل مكونات المجتمع اللبناني. غير أن الانسجام مع بعض الخطابات الإعلامية قد يولّد شعورًا بفائض في القوة، فتتحوّل الأمنيات إلى ما يشبه القرارات في أذهان أصحابها، فيبتعد الخطاب عن الوقائع ويقترب من التمنيات.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى أصوات حكيمة ومقرّبة، قادرة على لفت الانتباه إلى الواقع كما هو، لا كما يُراد تصويره أو الترويج له من بعض المحيطين المبالغين في الإطراء، لأن الحكمة في أوقات الأزمات ليست ترفًا، بل ضرورة وطنية لحماية ما تبقى من توازن واستقرار.
إن ما نعيشه اليوم من دمار وقتل واستهداف للأطفال والبيوت، وانهيار لمقومات الحياة، يفوق كل سجال سياسي، ويضعنا أمام جرح وطني عميق لا يحتمل المزايدات أو تسجيل النقاط، ولا يسمح بتحويل المعاناة إلى مادة للاستهلاك الإعلامي أو الاستثمار السياسي.
فلبنان اليوم ليس ساحة لتبادل الرسائل، ولا منصة لتصفية الحسابات، بل وطن ينزف، وشعب يرزح تحت أثقال الخوف والتهجير والخسارة. ومن هنا، فإن أي خطاب لا يراعي هذه الحقيقة إنما يبتعد عن نبض الناس ومعاناتهم.
فليس هذا وقت الحلول مكان الدولة ولو بالخطاب، ولا وقت لتصدير مواقف تزيد الانقسام، بل هو وقت التعقّل، وتوحيد الصفوف، واستحضار أعلى درجات المسؤولية الوطنية، لمواجهة الخطر الحقيقي الذي يهدد الجميع دون استثناء.
إن العاقل اليوم هو من يضع الأولويات في مكانها الصحيح: حماية الناس قبل السياسة، وصون الوحدة قبل المصالح، والتمسّك بالوطن قبل أي اعتبار آخر. فبالعقل والحكمة وحدهما يمكن عبور هذه المرحلة، وبالوحدة فقط يمكن أن يبقى الوطن.
المفتي الشيخ حسن شريفة