الأبنية المتصدّعة وحقوق القطاع العام… سلام يحدّد أولويات الحكومة!


في إطار متابعة ملف الأبنية المتضرّرة في طرابلس وتداعياته الاجتماعية، أجرى رئيس الحكومة نواف سلام جولة ميدانية شملت مرفأ بيروت والمنطقة الاقتصادية في طرابلس، مؤكّدًا أنّ هذا الملف، إلى جانب حقوق موظفي القطاع العام، يشكّل أولوية حكومية، في مقاربة تهدف إلى حماية السلامة العامة وتأمين الحقوق من دون تحميل الفئات الأكثر ضعفًا أعباء إضافية.


من بيروت، أشار سلام إلى أنّ الحكومة "تتصدى للإهمال في طرابلس عبر إطلاق مشاريع في مقدّمها المنطقة الاقتصادية الخاصة، والمطلوب تفعيلها"، معتبرًا أنّ هذه المشاريع تمثّل مدخلًا أساسيًا لمعالجة الاختلالات المزمنة وتحريك العجلة الاقتصادية في الشمال.


وفي ما يتعلّق بملف الأبنية المتضرّرة في طرابلس، أوضح أنّ "مراكز الإيواء مؤقتة فقط، والناس ستعود إلى بيوتها"، لافتًا إلى أنّ عددًا من المتضرّرين بدأوا بالاستفادة من بدل الإيواء، فيما اختار آخرون الإقامة لدى أقاربهم، "والخيار يعود لهم". كما كشف أنّ العمل انطلق على دراسة خطط إسكانية لإيواء العائلات التي تحتاج أبنيتها إلى هدم.


وخلال زيارته المنطقة الاقتصادية في طرابلس، قال سلام: "نتمنّى إخلاء كل المباني خلال فترة شهر لتدعيمها، وأن تعود العائلات إلى بيوتها بأسرع وقت ممكن"، محذّرًا من أنّ هذه المباني "تشكل خطرًا على السلامة العامة".


وأضاف أنّه بالنسبة لأصحاب المباني التي تحتاج إلى هدم، "سنؤمّن مراكز إيواء للجميع لمدة سنة، إضافة إلى رعاية صحية، على أن يتكفّل برنامج أمان بمتابعتهم".


وفي الشق المالي، أكّد سلام، أنّ "القطاع العام يستحق الزيادة"، مشيرًا إلى أنّ تأمين حقوق موظفي القطاع العام يتطلّب تحسين الجباية الجمركية وجباية الضرائب، وإصدار أوامر تحصيل للكسّارات، إضافة إلى إعادة دراسة الأملاك لتحصيل المتأخرات.


ولفت إلى أنّ اعتماد الـ"TVA" "يعمل بحسب الصرف لتأمين المدخول اللازم لرواتب هذا القطاع"، موضحًا أنّ "اعتماد الـTVA يطال الأغنياء".


وختم بالإشارة إلى ملف المحروقات، قائلًا: "بالنسبة للزيادة على البنزين اضطررنا إليها، فيما ألغينا الزيادة على المازوت"، في إطار مقاربة تراعي التوازن بين تأمين الإيرادات والحد من الأعباء المعيشية.



وفي سياق متصل، زار رئيس الحكومة نواف سلام، ترافقه وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، العائلات المقيمة موقتًا في مبنى معهد الفندقية في طرابلس، للاطلاع على أوضاعهم المعيشية والاستماع إلى مطالبهم، في ظل استمرار أزمة الأبنية المتصدّعة وتداعياتها الاجتماعية.


وخلال الزيارة، قالت الوزيرة السيد: "اطلعتُ مع دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام على أوضاع المركز، وأعطيتُ توجيهات فورية لفريق العمل الاجتماعي في طرابلس لدعم إدارة المعهد وتجهيزه بكل ما يصون الكرامة الإنسانية، ويضمن تلبية احتياجات العائلات وتأمين إقامة لائقة لهم إلى حين عودتهم واستقرارهم في منازلهم"، مؤكدة أنّها ستتابع يوميًا سير العمل "لضمان الاستجابة السريعة والكاملة لكل حاجات العائلات".


وخلال الجولة، عبّر عدد من السكان عن معاناتهم اليومية، مؤكدين أنّهم لم يصلوا إلى هذه المرحلة عن رغبة، بل نتيجة ظروف قاهرة فرضتها المخاطر الإنشائية التي تهدّد سلامتهم.


وقال أحد القاطنين إن العائلات "ليست متسوّلة ولا تبحث عن الشفقة"، مشددًا على أنّهم "تعبوا من أوضاع تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، لكنهم صابرون لأنهم يحبّون بلدهم". وأضاف أنّ البلدية والصليب الأحمر وعددًا من الجهات الإنسانية "لم تقصّر"، داعيًا الحكومة إلى مواكبتهم بشكل أوسع لتمكينهم من تأمين الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة والاستقرار، آملاً أن "تكون هذه المرحلة نموذجًا لدولة تهتم بمواطنيها".


من جهته، أكّد الرئيس سلام أنّ "الدولة لا يمكن أن تسمح بتكرار مشاهد الانهيارات التي شهدتها طرابلس في الفترة الماضية"، مشيرًا إلى أنّ العائلات المستفيدة يجب أن تكون مشمولة ببرامج الدعم المتاحة، ولا سيما برامج المساعدات الاجتماعية والرعاية الصحية التي تؤمّنها وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الصحة.


ولفت إلى أنّ العمل جارٍ على تسريع وتيرة التدعيم في الأبنية التي ثبتت قابليتها للترميم، مقابل إيجاد حلول بديلة للأبنية غير القابلة للتدعيم، بما في ذلك تأمين مراكز إيواء آمنة خلال المرحلة الانتقالية.


وشدّد رئيس الحكومة على أنّ "الطريقة الوحيدة لمنع أي خطر مستقبلي هي التدخّل السريع في الأبنية المهدّدة بالسقوط"، مؤكدًا أنّ التنسيق مستمر مع الجهات المعنية وهيئات الإغاثة لمتابعة أوضاع العائلات ميدانيًا وضمان عدم شعور أي مواطن بالخطر خلال هذه المرحلة.


بدورها، عبّرت إحدى السيدات المقيمات في المبنى عن القلق من الواقع المعيشي، مشيرة إلى صعوبة استئجار منازل بديلة في ظل ارتفاع بدلات الإيجار التي تصل إلى 400 و500 دولار شهريًا، ما يفوق قدرة معظم العائلات، مطالبة بحلول "واقعية ومستدامة" تحفظ كرامة الأهالي وتؤمّن لهم الاستقرار.


وفي الختام، جدّد الرئيس سلام تأكيده أنّ الحكومة تضع هذا الملف في صلب أولوياتها، وأنّ العمل مستمر لإيجاد حلول متوازنة تضمن السلامة العامة من جهة، وتراعي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي تعيشها العائلات المتضرّرة من جهة أخرى.