تعميم يُسقط القانون… وزير الداخلية يطيح بـ6 مقاعد نيابية



هل باتت القوانين في لبنان “قائمة طعام”؟ يختار منها الوزير ما يشاء، ويترك ما لا يشاء؟ وهل صار تطبيق قانون الانتخاب خاضعًا لـ”طبخة” سياسية مكتملة العناصر، بدل أن يكون واجبًا دستوريًا وإداريًا لا يحق لأحد العبث به؟

هذا السؤال عاد إلى الواجهة بقوة بعد صدور تعميم عن وزير الداخلية أحمد الحجار بفتح باب الترشيح، تعميم قرأه كثيرون كأنه إسقاط عملي لفكرة تخصيص مقاعد للمغتربين، أي ما يُعرف بـ”الدائرة 16”. وهنا تبدأ المشكلة: كيف لوزير أن يتصرف وكأنه يملك صلاحية تعطيل مادة نافذة من قانون أقرّه مجلس النواب؟ أي منطق هذا؟

الأمر ليس تفصيلًا إداريًا. نحن أمام جوهر العملية الانتخابية. القانون ليس “اقتراح نوايا” ولا ورقة إرشادات. نص نافذ. وإذا كانت هناك مواد تحتاج مراسيم تطبيقية، فالمطلوب إصدارها لا دفنها. وإذا كانت هناك مواد يراد تعديلها أو إلغاؤها، فبابها مجلس النواب. أما أن يُترك القانون على الرف حين لا يناسب، ويُستخرج منه ما يناسب… فهذه ليست دولة.

الأدهى أن التعميم لم يترك المسألة في خانة الالتباس، بل تضمّن عبارة لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، لأنها تشبه إقرارًا إداريًا بتعطيل الفصل الحادي عشر من قانون الانتخاب رقم 44/2017. وجاء فيها حرفيًا:

“وفي ظل تعذّر فتح باب تقديم تصاريح الترشيح تطبيقًا لأحكام الفصل الحادي عشر من القانون رقم 44/2017، نظرًا لعدم صدور النصوص القانونية والتطبيقية اللازمة له حتى تاريخه…”

بعبارة أوضح: الوزارة تقول إن الفصل الذي ينظم اقتراع غير المقيمين غير قابل للتطبيق لأن الدولة لم تُصدر نصوصه التطبيقية. وكأن تقصير الدولة بات سببًا كافيًا لطيّ القانون. وكأن “لم نصدر مراسيم” صارت مبررًا لإلغاء حق سياسي.

وهنا بيت الفضيحة: كيف لتعميم إداري أن يشطب عمليًا فصلًا كاملًا من قانون صادر عن السلطة التشريعية؟ من أين جاء هذا المنطق أصلًا؟ وأي دولة هذه التي تُختصر فيها القوانين بتعاميم، وتُسقط فيها الحقوق بحجة العجز الإداري؟

وهل المطلوب من اللبنانيين في الخارج أن يدفعوا ثمن تقصير الدولة؟ وهل يتحول هذا التقصير إلى “مبرر قانوني” لتصفية حقهم؟

ولمن يظن أن الحديث مجرد قراءة سياسية، يكفي العودة إلى النص. المادة 112 من قانون الانتخاب رقم 44/2017 واضحة وصريحة: تخصيص 6 مقاعد نيابية لغير المقيمين (المغتربين)، موزعة على القارات على الشكل الآتي:

• مقعدان لقارة أفريقيا

• مقعدان لقارة أميركا

• مقعد واحد لقارة أوروبا

• مقعد واحد لقارة أستراليا (أوقيانيا)

على أن توزع طائفيًا بين:

ماروني، أرثوذكسي، كاثوليكي، سنّي، شيعي، درزي.

هذه هي المادة التي تحولت في التداول السياسي والإعلامي إلى م سُمّي “الدائرة 16”، لأنها تخلق عمليًا دائرة انتخابية للمغتربين منفصلة عن دوائر الداخل.

إذا كانت المادة موجودة… لماذا تُهمَّش؟ لماذا يُتصرف وكأنها غير موجودة؟ ولماذا تُترك حقوق مئات آلاف اللبنانيين في الخارج رهينة “نصوص تطبيقية” لم تُنجزها الدولة أصلًا؟

وبحسب القراءة السياسية للتعميم، فإن ما يحصل يعني عمليًا نسف العمل بالمادة 112 وإسقاط فكرة المقاعد الستة. وهنا يصبح السؤال أكبر: هل نحن أمام إلغاء غير مباشر لمادة نافذة؟ ومن أعطى السلطة التنفيذية حق تجميد قانون صادر عن السلطة التشريعية؟ ومن خوّل وزيرًا أن يقرر وحده ما يُطبق وما يُترك؟

المسألة ليست خيارًا انتخابيًا بين صيغة وصيغة. المسألة مبدأ. القانون إما يُطبق كاملًا، أو يُعدّل كاملًا عبر مجلس النواب. أما الانتقاء منه، فليس إصلاحًا ولا تنظيمًا… بل سابقة تضرب الشرعية من أساسها، وتفتح الباب على فوضى عنوانها: “كل مسؤول يطبق ما يناسبه”.

السؤال الآن: هل سيقترع المغتربون للـ128؟ وكيف؟

لا أحد يملك ترف تقديم إجابات جاهزة قبل أن تُحسم المسألة وفق القانون لا وفق التعاميم. لأن الأخطر من تفاصيل الاقتراع، هو ما يجري على مستوى فكرة القانون نفسها: كيف تُدار الدولة عندما يصبح قانون الانتخاب مادة قابلة للقص واللصق وفق حسابات اللحظة؟ وكيف يمكن إقناع اللبنانيين في الخارج بأن دولتهم تحترم حقوقهم، فيما تُدار حقوقهم بين سطر في قانون وتعميم في وزارة؟

الأيام وحدها ستجيب: هل سيستكمل وزير الداخلية هذه “الهرطقة” حتى النهاية… أم يعود إلى أبسط قاعدة في الدولة: القانون لا يُفسَّر على هوى السلطة، بل يُطبَّق كما هو.