إضراب على "القطعة" يربك قطاعًا حيويًا… عبث يستدعي تدخّلًا عاجلًا!


في مشهدٍ تربوي مرتبك يعكس عمق الأزمة التي تضرب التعليم الرسمي، شهد اليوم الدراسي انقسامًا حادًا بين المدارس الرسمية، على وقع الإضراب الذي أعلنت عنه روابط التعليم الرسمي الأساسي والثانوي والمهني، في مقابل رفض واضح من رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي الالتزام بهذا التحرك، ما أدّى إلى حالة من الفوضى والعشوائية في تطبيق الإضراب، انعكست مباشرة على سير العملية التعليمية.

إضراب منقوص… ومدارس بين الفتح والإقفال

وبحسب معلومات نُفّذ الإضراب بشكل شبه كامل في الثانويات والمدارس المهنية، فيما انقسمت المدارس الرسمية الأساسية بين من التزم بالإضراب وأقفل أبوابه، ومن فتح أبوابه جزئيًا، مستندًا إلى تعاون عدد كبير من المديرين مع الأساتذة المتعاقدين، الذين توجّهوا إلى مدارسهم ومارسوا حقهم الطبيعي في التعليم، رغم امتناع أساتذة الملاك عن التدريس.

هذا الواقع أفرز مشهدًا غير مسبوق، حيث حضر طلاب إلى بعض المدارس وتلقّوا تعليمهم، في مقابل طلاب حُرموا من يوم دراسي كامل في مدارس أخرى، في ظل غياب أي آلية موحّدة أو إدارة مركزية واضحة تنظّم الإضراب.

سفر المسؤولين ورسائل ملتبسة

وتشير المعطيات إلى أنّ هذا التخبّط لم يأتِ من فراغ، بل تزامن مع غياب المرجعيات الرسمية الأساسية عن البلاد، إذ يتواجد رئيس الحكومة حاليًا في سويسرا، فيما وزيرة التربية موجودة في قطر. وفي هذا السياق، برزت مواقف لافتة صدرت الأسبوع الماضي عن الروابط نفسها، نُقل فيها عن مكتب وزيرة التربية تأكيده أنّ الوزيرة تقوم بما عليها، وأنها ليست المسؤولة عمّا آلت إليه الأوضاع، ما اعتُبر بمثابة تبرئة رسمية لها من أي تقصير.

هذا الكلام، بحسب مصادر تربوية، شكّل عامل إحباط إضافي لدى شريحة واسعة من الأساتذة، ودفع عددًا منهم إلى عدم الالتزام بالإضراب، على اعتبار أنّ التحرك لم يعد موجّهًا نحو جهة واضحة، ولا يمتلك أفقًا سياسيًا أو عمليًا لتحقيق مطالبه.

تأجيل الرواتب… وتعميق الإرباك

إلى ذلك، تردّدت في الساعات الماضية معلومات عن تأجيل البت برواتب القطاع العام لشهر إضافي، ما زاد منسوب القلق والغضب في صفوف العاملين في القطاع التربوي، وطرح علامات استفهام كبرى حول جدوى الإضرابات المتقطّعة، في وقت تُرحّل فيه القرارات المالية الحاسمة.

شاهين: نشكر المديرين… ونرفض العبث

وفي تصريح خاص توجّهت رئيسة رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي، الدكتورة نسرين شاهين، بالشكر إلى "جميع مديري المدارس الذين احترموا واقع مدارسهم، وتعاونوا مع الأساتذة المتعاقدين، وسمحوا بفتح المدارس بشكل جزئي، بما يضمن حق المتعاقدين في العمل وحق الطلاب في التعلّم".

وأكدت شاهين أنّ "الأساتذة المتعاقدين يشكّلون الأكثرية في العديد من المدارس، وقد مارسوا حقهم الطبيعي بالتوجّه إلى التعليم، في حين امتنع أساتذة الملاك عن أداء مهامهم، من دون فرض الإقفال الكامل أو حرمان الطلاب".

وشدّدت على أنّ ما جرى "يفضح غياب الرؤية الواضحة لدى من يدعون إلى الإضراب"، متسائلة: "ما الهدف من إضراب يوم واحد كل أسبوع؟ إمّا إضراب مفتوح بموقف واضح ومواجهة صريحة، وإمّا وقف هذا العبث الذي لا يحقّق أي نتيجة، سوى ضرب العام الدراسي واستنزاف ما تبقّى من ثقة".

في المحصّلة، يبدو أنّ الإضراب التربوي دخل مرحلة ضبابية، بلا عنوان واضح ولا جهة تتحمّل مسؤوليتها، فيما يدفع التلامذة وحدهم ثمن هذا التخبط. وبين تبرؤ رسمي، وتأجيل مالي، وتحركات مبتورة، يطرح الشارع التربوي سؤالًا جوهريًا: إلى متى يبقى التعليم الرسمي رهينة قرارات غير مكتملة، وإضرابات بلا أفق؟