لم تطل "الهدنة" السريعة التي كانت بمثابة فسحة تركت المشهد متفرّغاً لحركة ديبلوماسية كثيفة شهدتها بيروت وتوالت فصولاً أمس، إذ عادت في الساعات الأخيرة معالم "المزيج" الديبلوماسي الميداني من خلال اختراق الغارات الإسرائيلية الفسحة الديبلوماسية للتذكير بالملف العالق عند المسائل المتصلة بالوضع بين لبنان وإسرائيل. ولعل الملاحظتين الأساسيتين اللتين استوقفتا الأوساط المعنية والمراقبة بكثير من الانشداد، تمثلتا الأولى في أن السخونة التي استعادها المسرح الميداني مع معاودة إسرائيل شنّ غاراتها على مناطق لبنانية جاءت بعدما انحسرت احتمالات شنّ ضربات عسكرية أميركية على إيران أقلّه في اللحظة الراهنة، والثانية في تركيز أهداف الغارات الأخيرة على مناطق في البقاع الغربي أي في عمق بعيد جداً ضمن شمال الليطاني وليس لصيقاً فقط بجنوب الليطاني. ومع ذلك، لم يحجب استئناف الغارات التردّدات المتصاعدة للتحرّك الديبلوماسي الذي طبع عودة المجموعة الخماسية إلى احتلال صدارة المشهد الداخلي، إذ على رغم تطوّع جهات معينة في إسباغ تقديرات أوّلية "متواضعة" للحصيلة المرتقبة التي سيحققها المؤتمر الدولي لدعم الجيش الذي تقرر انعقاده في الخامس من آذار المقبل في باريس، تكوّنت لدى المراجع الرسمية والحكومية معطيات موحية بالتفاؤل لجهة قرار دولي واضح تعكسه "الخماسية" بدعم لبنان في مسيرة حصر السلاح من خلال توفير قدرات عسكرية ولوجستية ملحّة للجيش، ستساعده على اختصار الوقت والمضي بسرعة إلى استكمال مراحل حصر السلاح في كل لبنان. وهذا البعد استكمل بدفع قوي من فرنسا للتحفيز على إقرار قانون الفجوة المالية كما بدفع "خماسي" لإنجاز الانتخابات النيابية في موعدها وعدم السماح باي إرجاء لها.
في أي حال، تواصلت جوانب بارزة من الحركة الديبلوماسية الناشطة أمس، إن عبر لقاءات نيابية كثيفة لافتة للموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان أو عبر مضي السفير الأميركي ميشال عيسى في جولات تفقدية على المراكز الحيوية الاقتصادية والخدماتية. فالموفد السعودي زار رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة، كما كُشف أنه أجرى لقاءات عدة متلاحقة في اليرزة بحضور السفير السعودي وليد البخاري، حيث استقبل بن فرحان تكتل "التوافق الوطني" الذي يضم النواب حسن مراد، فيصل كرامي، طه ناجي، محمد يحيى وعدنان طرابلسي، وأفيد أنه "جرى خلال اللقاء التداول في مجمل الأوضاع الوطنية والعربية، إضافة إلى المستجدات الإقليمية وتداعياتها على لبنان والمنطقة. وعبّر أعضاء التكتل عن بالغ شكرهم وتقديرهم للمملكة العربية السعودية على ما تقدّمه من دعم ثابت ورعاية مستمرة للبنان، مؤكدين أهمية الدور السعودي في مواكبة استقرار لبنان وتعزيز مقومات نهوضه. وشدّد المجتمعون على أن قيام الدولة اللبنانية واستعادة دورها لا يمكن أن يتحققا إلا من خلال ترسيخ مؤسسات الدولة الدستورية، واحترام الشرعية، ودعمها الكامل بما يضمن سيادة الدولة واستقرارها ووحدة أبنائها".
كما أُفيد أن بن فرحان استقبل تكتل "الاعتدال الوطني" الذي يضم النواب محمد سليمان وأحمد الخير وسجيع عطية وعبد العزيز الصمد وأمين سره هادي حبيش، وتم تناول الأوضاع العامة ومؤتمر دعم الجيش . ثم التقى لاحقاً النائبين وليد البعريني وأحمد رستم . كما التقى النائب ميشال معوض.
وبرز في سياق الحضور الدولي إعلان بعثة الاتحاد الأوروبي أن "الاتحاد وقّع والحكومة اللبنانية ستة اتفاقات تمويل جديدة، بقيمة إجمالية تبلغ 110.5 مليون يورو على شكل هبات، لدعم قطاع الأمن في لبنان، والتعافي في المناطق المتضررة من النزاع، وأولويات الإصلاح الرئيسية. وتم توقيع كل الاتفاقات مع وزير المال ياسين جابر". وأشار بيان البعثة إلى أن "هذه الهبات تموّل في إطار حزمة الدعم البالغة مليار يورو التي أعلنت عنها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، خلال زيارتها لبيروت في أيار 2024. وتؤكد هذه الهبات التزام الاتحاد الأوروبي الراسخ استقرار لبنان وسيادته وأمنه، وتعزيز مؤسسات الدولة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد. كما تعكس الاتفاقات زخماً متجدداً في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ولبنان، يتجلى في استئناف عمل مجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ولبنان، وزيادة التبادلات الرفيعة المستوى، وإبرام العديد من مبادرات التعاون الجديدة".
إلى ذلك، جال السفير الأميركي ميشال عيسى في مرفأ بيروت بعد جولة مماثلة له على مؤسسة كهرباء لبنان. واطّلع السفير على الإجراءات المتخذة حديثاً في المرفأ، معرباً عن رضاه على "السكانر" الموجودة والتي "طال انتظارها". وقال: التكنولوجيا التي رأيتها اليوم "كأنّني عايش بأميركا... شي ببيّض الوجه". أضاف: مستعدّ للمساعدة وتأمين كلّ التقنيات التي قد يحتاج إليها مرفأ بيروت. وتابع: الدعم للبنان لم يتوقّف أبداً وزيارتي للمرفأ تفقدية للاطّلاع على التكنولوجيا المستعملة، مشيراً إلى أنه "يجب أن نعود إلى الوضع الطبيعي وهو أن يعود مرفأ بيروت إلى الدولة بحيث تكون مكاسبه غير منهوبة ومسروقة".
في غضون ذلك، ارتفع منسوب الحرب الكلامية الإعلامية بين "حزب الله" و"القوات اللبنانية" على خلفية تصعيد الحزب وإعلامه وتيرة هجومه التخويني على وزير الخارجية يوسف رجي. وردّ النائب غسان حاصباني مدافعاً عن رجي: "وزير الخارجية يوسف رجي أعطى توجيهات تستند حصراً إلى البيان الوزاري للحكومة اللبنانية التي نالت على أساسه ثقة مجلس النواب، وتقوم على السيادة، واحترام الشرائع الدولية، وحماية مصالح لبنان. الهجوم الإعلامي ليس ضد شخص، بل ضد قرار الدولة الموحّد. من يريد الاعتراض فليطرحه عبر المؤسسات الدستورية وليس عبر التشويه والتخوين". بدوره، أشار النائب جورج عقيص إلى أنّ "الحملة التي تُشنّ على وزير الخارجية غير مستغربة وفي غير مكانها"، داعيًا محور الممانعة إلى "التركيز على قراءة ما تضمّنه اتفاق وقف النار الذي وقّعته الحكومة في 27 تشرين الثاني 2024". وقال: "محور الممانعة يوجّه غضبه إلى الوزير رجي لأنه يملك قراءة رسمية لهذا الاتفاق، فحرف الأنظار عن المشكلة الأساسية عبر افتعال حرب كونية ضد وزير في الحكومة ليس أبداً في مكانه"
أما ميدانياً، فوجّه الجيش الإسرائيلي بعد الظهر إنذاراً عاجلاً إلى سكان سحمر في البقاع الغربي، جاء فيه أنه سيهاجم على المدى الزمني القريب بنى تحتية عسكرية تابعة لحزب الله وذلك للتعامل مع محاولاته المحظورة لإعادة إعمار أنشطته في المنطقة. وسجلت على الاثر عمليات نزوح من البلدة بعد تهديدها، في وقت توجه الجيش اللبناني إلى المبنيين المهددين للكشف عليهما. ولاحقاً استهدفت غارتان المبنيين. ووجّه الجيش الإسرائيلي لاحقاً انذاراً مماثلاً إلى سكان بلدة مشغرة في البقاع الغربي أيضاً، معلناً أن الجيش سيهاجم بنى عسكرية تابعة لحزب الله ودعا سكان مبنيين محددين على خريطة إلى إخلائهما والابتعاد عنهما. وشنّت لاحقاً طائرات حربية إسرائيلية غارتين على المبنيين.
المجلس الاعلى الجديد للجمارك
عيّن مجلس الوزراء في الجلسة التي عقدها أمس في السرايا برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، المجلس الأعلى للجمارك على النحو الاتي: العميد مصباح خليل رئيسًا، وشربل خليل ولؤي الحاج شحادة عضوين، وغراسيا القزي مديرًا عامًا.
الادّعاء على 4 في خطف شكر
ادّعى القضاء اللبناني على أربعة أشخاص بتهمة "التواصل" مع جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي (الموساد) و"خطف" ضابط لبناني متقاعد.
وتحقق السلطات اللبنانية منذ كانون الأول في اختفاء النقيب المتقاعد في جهاز الأمن العام أحمد شكر. ويُرجح بأن شقيقه كان ضالعاً في أسر الطيار الإسرائيلي رون آراد بعد سقوط طائرته في لبنان عام 1986. ولم يُبت رسمياً بمصير آراد منذ ذلك الحين.
وقال المصدر القضائي إن مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية ادّعى "على موقوف واحد لبناني، وثلاثة آخرين متوارين عن الأنظار"، هم لبنانية وشخص يحمل الجنسيتين اللبنانية والفرنسية، وآخر يحمل السورية والسويدية.
ويتهم القضاء هؤلاء بارتكاب "جرائم التواصل مع جهاز الموساد والعمل لمصلحته داخل لبنان لقاء مبالغ مالية، وتنفيذ عملية خطف أحمد شكر بتاريخ 17 كانون الأول 2025.

Social Plugin