مطاعم وملاحم وأفران لا تراعي الشروط.. اختبار فعلي للهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء



يعود ملف سلامة الغذاء في لبنان إلى الواجهة مجدداً، مع التجاوزات التي يُسجّلها مفتشو وزارتي الصحة والاقتصاد أثناء حملات التفتيش على مطاعم ومتاجر بيع المواد الغذائية في أكثر من منطقة لبنانية، وبحضور وسائل الإعلام. إذ تُظهر الوقائع أنّ هناك مؤسسات ملتزمة بالقوانين بشكل كامل، وأخرى تقوم بانتهاكات مثيرة للقلق، والأسوأ أنّ هذه التجاوزات لم تعد معزولة وتقتصر على مطعم هنا أو متجر هناك، بل باتت متسلسلة وفي أكثر من قطاع غذائي (مطاعم، متاجر بيع مواد غذائية، ملاحم، أفران…)، وتهدّد صحة المواطنين بشكل يومي.

انتشار هذه الظاهرة يعكس أنّ الرقابة التي تقوم بها الوزارات المختصة (الصحة، الاقتصاد، الصناعة، الزراعة) غير كافية، بالرغم من الجهود المبذولة، ما يضع المواطنين أمام مخاطر صحية وبيئية متزايدة. فهل يمكن لصدور مراسيم تشكيل مجلس إدارة “الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء” في 8 كانون الثاني الحالي أن يكون بداية معالجة مختلفة لهذا الملف الهام، وتنفيذ رقابة فعالة على الغذاء في لبنان بعد سنوات من إقرار القانون الذي أسّس له الوزير الراحل باسل فليحان؟

أبو حيدر: 556 محضر ضبط بحق مخالفين في 2025

تجدر الإشارة إلى أنّ أهمية تشكيل الهيئة تكمن في تنسيق الصلاحيات، إذ تهدف إلى تنسيق الأدوار بين الوزارات والإدارات المتعددة لوضع حد لتفلّت قطاع الغذاء. كما تُعد خطوة أساسية لضمان سلامة الغذاء وصحة المواطنين اللبنانيين، وتفعيل القانون الذي أُقر بعد سنوات من الانتظار.

وإلى حين قيام الهيئة بدورها، يشرح مدير عام وزارة الاقتصاد الدكتور محمد أبي حيدر أنّ “الرقابة على سلامة الغذاء هي من صلاحية الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء، وإلى أن يتم تفعيل دورها بعد تشكيلها مؤخراً، هناك 5 وزارات تتابع هذا الملف، هي الزراعة والصناعة والصحة والداخلية والبلديات، إضافة إلى إدارة الجمارك ووزارة الاقتصاد”.

ويضيف: “كوزارة اقتصاد، نفّذ مفتشونا في العام الماضي 20597 كشفاً على المحال التي تبيع مواد غذائية، للتأكد من شروط السلامة الغذائية، وتم تنظيم 556 محضر ضبط بحق مخالفين موزعين على كل المحافظات، وشملت محال بيع مواد غذائية ومطاعم وملاحم ومسامك وأفران وباتيسري”، مشدداً على أنّ “أي مواطن لديه شكوى في هذا الموضوع يمكنه التواصل مع الوزارة عبر موقعها الإلكتروني. فالوزارة تقوم بجهد كبير جداً في هذا الملف، وتمّت إحالة العديد من المخالفين إلى القضاء، على أمل أن يتم تعديل قانون حماية المستهلك لتكون العقوبة أكثر ردعاً لكل من يُتاجر بصحة الناس لتحقيق أرباح غير مشروعة”.

برو: لا اهتمام رسمي بسلامة الغذاء بل جهود فردية

يرى رئيس جمعية حماية المستهلك الدكتور زهير برو أنّ “هذه الموجة من التجاوزات التي حصلت مؤخراً في لبنان تتطلب تطبيق قانون سلامة الغذاء (الموجود منذ العام 2015)، وهو أمر لم يحصل في السنوات الماضية بسبب عدم وضع المراسيم التطبيقية للقانون، إضافة إلى غياب الإرادة السياسية لتطبيقه”. ويلفت إلى أنّ “الحكومة الحالية لا تختلف على الإطلاق عمّن سبقها لجهة إهمال سلامة الغذاء في لبنان. لا نزال نقارب الموضوع من الناحية الاقتصادية وعلى الطريقة القديمة، ومن دون أي تحليل للإنتاج اللبناني، علماً أنّ المنتج والمطبخ اللبناني يمكن أن يحتلّا مراتب متقدمة عالمياً، نظراً لطبيعة لبنان ونوع المطبخ اللبناني الذي ينتمي إلى منطقة البحر المتوسط، وهي الأفضل في العالم كغذاء”.

ويجزم برو بأنّ “لا اهتمام رسمياً بسلامة الغذاء، لكن هناك جهوداً فردية من قبل قطاعات غذائية حصلت على شهادات عالمية توثّق جودتها وفق المعايير الدولية، ولا سيما في مجال تصنيع الغذاء. في المقابل، هناك غياب شبه كامل لأي رقابة على السوق اللبناني، ولذلك نرى تجاوزات خطيرة في بعض المنتجات. أما المطاعم، فالعديد منها لا يراعي بشكل حاسم أن يكون العاملون فيها من ذوي الخبرات، ولا تطبّق المعايير الصحية اللازمة”.

ويختم بالقول: “إنّ تشكيل الهيئة الوطنية لسلامة الغذاء يعني جمع الصلاحيات المتعلقة بسلامة الغذاء والتنسيق بين الوزارات المعنية، ما ينقل لبنان إلى مرحلة متقدمة. وهذا يتطلب دعماً للصناعات الزراعية ومساعدتها على الحصول على منتجات بمعايير جيدة، وتنظيم استخدام المزارعين للمبيدات الزراعية وفق المعايير الدولية. وهذا الأمر لا يحصل حالياً، سواء في القطاع الزراعي أو عبر الاستيراد من الخارج، ولهذا نجد في لبنان منتجات ممنوع دخولها إلى الكثير من البلدان، بسبب الفساد وغياب الرقابة”.