كتبت النهار
في ضوء الوساطة التي سيقوم بها الموفد الاميركي آموس هوكشتاين على خط تهدئة الجبهة الجنوبية بين " حزب الله" واسرائيل ، يعتقد انه سيكون صعبا الى حد كبير اعتماد الولايات المتحدة على نفي احتمال ان لا تفاهم ضمنيا او علنيا مع " حزب الله" او مع ايران وان لا ثمن محتملا لهذين الطرفين لقاء اعادة المستوطنين الاسرائيليين الى البلدات والقرى التي غادروها في شمال اسرائيل . فحين انجز هوكشتاين الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل ارتبط ذلك بجملة عوامل سعى كثر الى ابرازها اولا على ضوء التطورات في العراق التي اسفرت عن الافراج عن حكومة برئاسة محمد الشياع السوداني وثانيا على ضوء مسيرات هدد بها "حزب الله" منصات استخراج الغاز لاسرائيل. وفيما ان الديبلوماسية الاميركية اجتهدت في تلك الفترة في التأكيد ان لا صلة اطلاقا بين الاتفاق واي تطورات محلية او اقليمية ربطا اولا باحتمال سعي "حزب الله" الى فرض رئيس جديد للجمهورية باعتبار ان ذلك كان قبل انتهاء ولاية ميشال عون باشهر قليلة وثانيا بما يجري من مفاوضات مع ايران في عمان وتتناول العراق كذلك ، فان هذه التاكيدات لم تجد طريقها فعلا الى اذهان اللبنانيين . وقال الاميركيون انذاك ان لا فضل للحزب او المسيرات التي اطلقها في الوصول الى هذا الاتفاق بل على العكس من ذلك لان هذه المسيرات كادت تؤدي مفعولا عكسيا لان اسرائيل رفضت التفاوض تحت التهديد وكادت المسيرات ان تضيع الجهود التي كانت تبذل للوصول اليه لو لم يتم تدارك ذلك في اجتماع للرؤساء الثلاثة في بعبدا لاحقا . وتاليا وبحسب المعلومات فانه لم يكن هناك اي ثمن ل" حزب الله" واظهرت عرقلته لاحقا لانتخاب رئيس للجمهورية والتي لا تزال مستمرة حتى الان، ما لم ينتخب من يريده للرئاسة مستعيدا تجربة النظام السوري في هذا الاطار ، هو ان الولايات المتحدة لم تقدم مقابلا سياسيا له في الداخل .
الامور مختلفة هذه المرة في ظل اعتبارات ابرزها ان الحزب هو من ربط تصعيد المواجهة في الجنوب على الحدود مع اسرائيل بالحرب على غزة . ثم ان الجنوب يشكل جزءا من مشهد اقليمي تنخرط فيه ايران من البحر الاحمر وصولا الى لبنان في الوقت الذي تساوم طهران من بعيد على الاثمان في سنة صعبة انتخابية بالنسبة الى الادارة الاميركية تحاول دول عدة ان تستفيد من ذلك تماما على غرار استفادة اسرائيل وايران من عدم رغبة ادارة الرئيس جو بايدن حصول حرب اقليمية تضطر الى الانخراط فيها . والدول تسعى الى تحقيق مصالحها وما تراه مناسبا لتحقيق اهدافها من دون الاخذ في الاعتبار ما يسمى عادة "الاضرار الجانبية" التي لن يود اللبنانيون ان يكون بلدهم احدها . ولذلك تنظر قوى سياسية في لبنان ببعض القلق للوساطة الاميركية على خلفية السعي الى تهدئة في الجنوب تتيح منع قيام اسرائيل بحرب على لبنان وتأمين عودة المستوطنين، في وقت لا رغبة بان يفرض الحزب نفوذه على البلد انطلاقا من تنفيذ اجندته التي لا ينفي انها متصلة باعتبارات اقليمية كادخال الجنوب ولبنان في الحرب من اجل مساندة غزة ومن ضمن المحور الذي تقوده ايران ، وفي وقت لا ثقة داخلية فيه اطلاقا بحكومة تصريف الاعمال لا سيما اذا كانت ستشكل هي الواجهة لذلك . لكن قد لا يكون هناك خيار اخر على رغم ان التهدئة راهنا ولبعض الوقت خصوصا اذا التزم الطرفان في مرحلة الاولى وقف النار وفق ما اعلن "حزب الله" التزامه وقف النار اذا تم وقف الحرب على غزة ولم تصعد اسرائيل يجب ان تكون فرصة للضغط من اجل انتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة فاعلة يتوليان هذا المسار في المرحلة اللاحقة . اذ ان توقع انسحاب عناصر الحزب من القرى الجنوبية قد لا يكون ممكناً على الفور كما ان ترسيم الحدود البرية او تثبيتها سيكون لمرحلة لاحقة على نحو يجب ان يفسح في المجال امام تأمين حصول الاستحقاقات الدستورية في لبنان . فالادارة الاميركية يجب ان تعي أن هذا لا يمكن أن يكون فعالاً إلا في سياق سياسة أكثر قوة تجاه لبنان تأخذ في الاعتبار منع او تحديد نفوذ إيران في البلاد لا تعزيزه او اتاحة الفرصة لرواج الانطباعات بان الولايات المتحدة يمكن ان تبيع لبنان من ايران او من الحزب كما حصل سابقا بالنسبة الى بيعه من النظام السوري سعيا الى تأمين سلام بين هذا الاخير واسرائيل او ان تعطي فرصة لاستثمار هذه الانطباعات على حساب لبنان وسيادته. فلا انقاذ اسرائيل على حساب لبنان مقبول ولا تعويم لنفوذ الحزب ومعه ايران على حساب لبنان مقبول ايضا .
يقول مراقبون ان سقف الوساطة الاميركية لن يكون اقل من "اللاورقة " الفرنسية التي عرضت افكارا للتهدئة والمسار لتطبيق القرار 1701 او البعض منه والتي لم يحبذها الحزب ومعه السلطة في لبنان التي لا تملك القدرة على اقناع الحزب بتنفيذ ما لا يريد تنفيذه من اجراءات مطلوبة . وحين تم التداول للمرة الاولى بما هو متوقع للتهدئة في الجنوب مع الزيارة الاولى لهوكشتاين في تشرين الثاني الماضي ، سرت مناقشة سبل تراجع " حزب الله " من الحدود بما يقارب عشرة كيلومترات على نحو يؤدي الى اقامة منطقة عازلة على الحدود مع إسرائيل على خلفية منع تصعيد الحرب عبر معالجة المخاوف الأمنية الإسرائيلية واللبنانية وتوقف اسرائيل عن انتهاك سيادة لبنان مصحوبا بنشر الجيش اللبناني في المناطق الحدودية التي يتراجع فيها الحزب بعد زيادة عناصره وقوته في شكل يتناسب وحماية الحدود .
ثمة اهمية بالغة لطبيعة الرسالة التي يمكن ان توجهها الولايات المتحدة إلى الشركاء والأعداء على حد سواء لا سيما انها اخفقت في رسالة ردع اسرائيل عن قتل الابرياء مع الاستمرار في دعمها . وهو ما يجب على واشنطن اخذه في الاعتبار وفق ما يرى مراقبون كثر .

Social Plugin