كتبت النهار
ماذا تعني كلمة "هدنة"؟ هل هي استراحة محارب لمعاودة الحرب بعد انتهائها؟ هل هي محاولة للملمة الجراح وربما توضيب الأغراض استباقاً لموجة عنف جديدة؟
لا أفهم بأيّ منطق يتحركون، وبأيّ منطق يتصرفون. كأنهم لا يرون مأساة الحروب وويلاتها. قد يفهم البعض انها دعوة الى السلام. نعم هي كذلك، دعوة لسلام البشر، لسلامة الانسان الذي يستحق الحياة الحرة الكريمة. الدعوة الى السلام ليست تطبيعاً، يريده البعض في السر، وليست غفراناً لعدو يرتكب المجازر، لكنها دعوة الى الرحمة بالانسان، الفلسطيني واللبناني وغيرهما.
قرأت قبل أيام في تحقيق لـ"وكالة الصحافة الفرنسية" عن فلسطينيي لبنان تصريحاً لسيدة فلسطينية تقبع خلف الشاشة تترقّب تطور الأحداث في غزة حيث تقيم ابنتها مع عائلتها. تحاول السيدة شحادة أن تتمالك نفسها، لكن خوفها على ابنتها يبدو واضحاً في صوتها المرتجف. وتروي بأسى كيف أن ابنتها، التي فضّلت عدم ذكر اسمها، وزّعت أطفالها على أقاربها، في محاولة لحمايتهم. وتوضح: "قبل أكثر من أسبوع، كانت تبكي وقالت لي: وزّعت أولادي حتى إنْ مات أحدهم يبقى الآخر على قيد الحياة".
هذا الواقع المرير الذي يعبّر عن حب الحياة والتمسك بها، يجب أن يدفع الى هدنة دائمة، في انتظار حلول عادلة، وفي طليعتها حلّ الدولتين الذي أرسته القمة العربية التي انعقدت في بيروت العام 2002.
قد يبدو هذا الحل عصياً في ظل التعنت الاسرائيلي، خصوصا بعد "7 تشرين" حيث شعرت اسرائيل انها أصيبت بنكسة، لكن من الضروري التمسك العربي بهذا الحل، لان الحروب لم تصنع يوماً سلاماً، بل دمرت وقتلت، ثم ألزمت المتحاربين بمفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، وصولاً الى حلول وسط قد لا ترضي الجميع. وهي حالنا في لبنان عند كل مفترق، نفتش عن أنصاف الحلول، أو عما نسميه توافقاً.
أكرر، هي ليست دعوة الى سلام مع اسرائيل، ولا الى تطبيع، لكنها في الحد الادنى، دعوة الى تمديد الهدنة الى أجل طويل، لالتقاط الناس أنفاسهم، واستعادة بعض حياتهم، ودفن موتاهم، ومداواة جرحاهم. الايام الاربعة ليست كافية لأي شيء، والتهديد بعدم المضيّ بها جريمة في حق الانسانية، اذ لا يكفي اعطاء الناس فرصة لتجميع حاجاتهم وقطاف بعض مواسمهم، ثم الهروب مجدداً وسط العواصف والفيضانات، فلا يجدون لهم مأوى يقي أبناءهم البرد والخوف.
الهدنة، يا لتلك العبارة المضحكة. لكنها على ضحالتها، ضرورية ومن الواجب إطالتها قدر ما أمكن، لإفساح المجال أمام الناس لاستعادة حياتهم، في انتظار توافر حلول تكون نابعة من إرادة الشعوب لا أن تُفرض عليهم، ولو كانت الحرب خيارهم، فليكن، لكن هذا الخيار يجب ان يكون نابعاً من ارادة وطنية ومصلحة وطنية لا خدمة لمآرب وسياسات خارجية.

Social Plugin