كتبت النهار
ليست المرة الأولى التي يخوض فيها رئيس مجلس النواب نبيه بري هذا النوع من الاتصالات واللقاءات الديبلوماسية إبان وجود أخطار أمنية وتدميرية من إسرائيل تهدّد لبنان عبر أكثر من عدوان. وكانت أبلغ المحطات في هذا الميدان إبان عدوان تموز 2006 في حرب استمرت 33 يوماً انتهت إلى ولادة القرار 1701 الذي تابع بري تفاصيل ظروف ولادته مع معاينته لتطبيق مندرجاته وإشارته الدائمة إلى أن إسرائيل تقفز فوقه بفعل شريط طويل لها من الخروق التي تمارسها على مرأى "اليونيفيل"والمجتمع الدولي.
وبعد مرور أكثر من أسبوعين على تطور المناوشات العسكرية على وقع مفاجأة "طوفان الأقصى" في غلاف مستوطنات غزة واشتعال كل المساحة الممتدة على طول الحدود من رأس الناقورة إلى تخوم مزارع شبعا المحتلة، يتعرّض هذا القرار لخروق متواصلة. ولا تفوت بري الإشارة إلى كل من يستقبلهم من موفدين غربيين وديبلوماسيين حطّوا في بيروت في الأيام الأخيرة إلى أن مصدر الخطر يأتي من إسرائيل لا من لبنان. وعند مراجعته والطلب منه ضرورة تحذير "حزب الله" من مغبة دخوله في حرب مفتوحة ضد إسرائيل، يكون جواب رئيس المجلس أن على كل الآتين إلى بيروت الذهاب أولاً إلى تل أبيب وسؤال بنيامين نتياهو وأعضاء حكومته المتطرفين عن كل ما يفعله جيشهم ضد قطاع غزة قبل السابع من الجاري وبعده.
ورغم سخونة المناوشات على الحدود الجنوبية بين إسرائيل و"حزب الله" مع إمكانية اتساعها إلى مساحات أخرى، لا ينفك بري يذكّر بأن "لبنان ملتزم بالشرعية الدولية" وفي النهاية لن يتراجع عن ممارسة حقه المشروع في الدفاع عن نفسه أمام الاعتداءات الإسرائيلية.
وفي خضم كل هذه التطوّرات، تطرح أكثر من جهة معنيّة: أين القرار 1701 على ضوء خرق ماهيّته و"على المكشوف" على طول الحدود اللبنانية-الإسرائيلية طوال الأيام الأخيرة وعلى ضوء أحداث غزة وتحت أنظار وحدات "اليونيفيل" المكلفة بتطبيق مضمون هذا القرار، حيث لا يمر يوم على ولادته عام 2006 إلا تعمل إسرائيل على تجاوزه وأقله في البحر والأجواء اللبنانية. ولا شيء يردعها عن هذا الفعل في البر غير عابئة بوجود القوة الدولية والتقارير الصادرة عن الأمم المتحدة بدليل أن أكثر دولها هبّت إلى مساندة إسرائيل والتغطية على أفعالها وتدميرها لغزة والتغاضي عن مجازرها المفتوحة ضد سكانها.
في لبنان لا يمكن لبري ولا لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلا القول إنهما يتمسكان بالقرارات الدولية وفي مقدمها 1701 الذي يلقى قبولاً عند مختلف الأفرقاء ولو انقسموا على قرارات أخرى كالقرار 1559 الذي يريد تطبيقه من لا يلتقون مع سياسات "حزب الله".
وفي مضمون كلام بري وتمسكه بالشرعية الدولية يؤيّده وزير العدل سابقاً الوزير إبراهيم نجار. ويقول إن 1701 يشكّل حصناً للبنان وإن ثمة 2000 من القرارات الدولية صادرة عن الأمم المتحدة، لا يمكن للبنان أمامها إلا القول إنه ليس معها أو يعمد إلى التنصّل منها.
وفي هذا الوقت تعترف "اليونيفيل" بأن 1701 يتعرّض اليوم لأخطر امتحان وتسجّل وحداتها الخروق من الطرفين التي ستكون "مادة دسمة" للتقرير المقبل الذي يصدره الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وسيتناول فيه مدى تطبيق هذا القرار الأممي.
أما في رأي وزير الخارجية السابق عدنان منصور فيرى الـ1701 في "حكم الميت" بدليل أن إسرائيل خرقته نحو 35 ألف مرة منذ إقراره إلى اليوم، وهي مسجّلة لدى الدوائر المعنيّة عند "اليونيفيل" حيث لم يعد ذات جدوى لا سيما من طرف تل أبيب التي لم تحترمه في الأصل.
ويلفت منصور إلى أن ثلاث دول أعضاء في مجلس الأمن صدر عنه هذا القرار لم تعمد إلى حمايته بدليل أن أرفع المسؤولين في أميركا وبريطانيا وفرنسا زاروا إسرائيل وأعلنوا صراحة الوقوف معها ضد الفلسطينيين واللبنانيين وكل العرب، وأن الفيتو الذي يستعملونه في هذه المنطقة لا ينبع إلا من مصلحة إسرائيل، "حيث كان على هذا المجلس حماية 1071" بعدما أصبح اليوم غير قابل للتطبيق. ورغم ذلك ليس من مصلحتنا القول إنه لا يجب التمسك به وهذا ما قصده الرئيس بري في معرض تعليقه على الشرعية الدولية".
وأين "حزب الله" هنا؟
يرى منصور أن "المشكلة تكمن عند إسرائيل التي تمعن في خرق الـ1701 يومياً وليس الحزب من يحلّق بطائراته فوق الأراضي الفلسطينية مع عدم غياب طيران العدو عن خرقه لأجواء لبنان واستهدافه سوريا. وهل هذا الفعل يتلاقى مع مضمون هذا القرار". ويصل منصور إلى خلاصة وهي أن منطق القوة هو السائد الذي يتغلّب على كل القرارات الدولية التي لا تكترث لها سوى الدول الضعيفة وثمة أمثلة عدة على ذلك وآخرها ما حصل في العراق وسوريا، فيما تقفز دول غربية كبرى فوق كل هذه القرارات الدولية وهي تعلن انحيازها إلى جانب إسرائيل.
ويبقى السؤال الذي يُطرح من اليوم بغضّ النظر عن نهايات ما ستنتهي إليه الأمور على الحدود الجنوبية مع إسرائيل: ما مصير الـ1701 وكيف سيُتعامَل معه في المستقبل؟

Social Plugin