كرة النار تعبر ثقوب الخزينة من جيوب الفقراء


قد لا يتحمس المواطن العادي كثيراً للنية المعلنة بتحقيق الإصلاح الإداري والقضاء على الفساد، فالمواطن العادي تعوّد على الإخلاف المتكرر في الوفاء بالوعود والإلتزامات السياسية والإقتصادية والأخلاقية، وقرا مليّاَ التاريخ الطويل غير المجدي لعمليات الإصلاح، التي إذا نجحت حكمت فئة بدل أخرى في رقاب العباد، وإذا فشلت تصارعت الفئات على تعميق الهوة بين الإدارة والمواطن ورسّخت الفساد ووسعت قاعدته. والنخوة الجديدة للإصلاح المقرونة بصدق النوايا، بعد طول إنتظار، قد لا يساعدها واقع الحال على التنفيذ، لأن الإدارة السليمة تحتاج إلى قانون والقانون يحتاج إلى القوة للتنفيذ، وهي قوة غالباً ما سيطرت على القانون أو فسّرته ونفذّته بحسب ما ترتأيه من مصالح ذاتية، ففشلت عملية الإصلاح من حيث ولدت وفي الأرضية التي وضعت لها. وعلى امل أن تلاقي النخوة الجديدة مواقع صلبة لها وأرضية محايدة يتحرر فيها القانون من الضغوط والقوة التنفيذية من الرغبات السياسية ومن التمحور الذاتي الذي كان يدفعها إلى الواجهة الأمامية للإصلاح فيقع لها ضحايا، يبقى الشق الثاني المعلن عن تحقيقه ألا وهو إعادة الأموال المهرّبة والمهدورة إلى خزينة الدولة من الجيوب والخزائن والبنوك في الخارج التي توجهت اليها، ومن القوى التي وضعت يدها عليها، في إنتظار إعادة تاهيل الموظف الذي إجمالاً يخاف عقوبات القانون.
وفي الواقع لا يمكن حصر قيمة الأموال المهرّبة إلى خارج البلاد، رغم أن الأموال العامة التي هدرت وأنفقت على مدى العقد الأخير، يمكن حصرها وخاصة ما يتعلّق منها بالإنفاق على المشاريع وعلى عمليات الترميم والصيانة الدورية وقرطاسيات الإدارة والدراسات والإستشارات، وهي أموال رصدتها قوانين الموازنة العامة و أو تم التعاقد عليها قروضاً خارجية لتمويل مشاريع وإستبدال دين بآخر بحيث يقع المواطن في متاهة الإنفاق المزدوج والمختلط فلا تعرف كيف استهلكت تلك الأموال ولا الى أي أقنية سدد اتجاهها.
وهكذا مازالت كرة النار تتعاظم في هشيم من الإهدار والسرقة ورياح تعبر ثقوب الخزينة فتغذي لهيب الإفلاس والطمع من جيوب الفقراء وذوي الدخل المحدود، مع إنعدام الرحمة واشتداد الصمم للتوسل الهادف إلى الإكتفاء بخيرات البيت لإعادة البناء مدماكاً إثر مدماك طالما أن الجدوى الإقتصادية من كل ما أنفق، لا توازي الفوائد وتكلفة الدين.
ختاماً، إن خريطة الإهدار المالي أوسع من أن تحدّها نخوة إصلاحية، ومزاريب الإهدار والإنفاق غير المجدي لا تحصى. والعائق الكبير أمام إصلاح الحال كون هذا الإهدار والإنفاق غير المجدي حصل في ظل مسؤولين شركاء، ومازالوا في السلطة يسرحون ويمرحون ويأكلون الأخضر واليابس. 
أما السؤال الذي يسأل، من سيحاكم من؟ ومن سيعيد المال المنهوب؟ ومن سيكون امرأة قيصر؟.
قد يكفي بدء الحملة الإصلاحية بتصحيح وضع الكهرباء وبتنفيذ الإقتراحات الواردة في تقريري هيأة التفتيش المركزي، والعودة إلى تقارير ديوان المحاسبة والتحقيق في أسباب المخالفات لها ومعرفة الحقيقة. وقد يكون مجدياً أيضاً التحقيق في القوانين والمراسيم التي صدرت واستفاد بموجبها أشخاص محظيون.
فلنستوح من قصة امرأة القيصر حتى نستخلص بعض العبر ونحدد جواز المقارنة.
القيصر الذي نتكلم عنه هو يوليوس قيصر الكبير فاتح حوض البحر المتوسط برمته وحاكم روما، أما زوجته التي أُطلقت العبارة بشأنها فهي بومبيا، زوجته الثالثة وما قبل الأخيرة
ففي عام ٦٢ ق.م أقيم حفل ديني في قصر القيصر في روما ولقد تسلل احد الشبان وهو بوبليوس كلوديوس متنكراً بزي امرأة إلى جناح النساء حيث كان يلهو مع بومبيا، زوجة القيصر
فور انكشاف امر كلوديوس، طلق يوليوس قيصر بومبيا قائلاً عبارته الشهيرة "ينبغي ان تكون زوجتي فوق الشبهات"، وعاد وأعفى عن كلوديوس
حين اسمعُ اليوم تكراراً من رجال ونساء، سياسيين وغيرهم "أنا كامرأة القيصر، فوق الشبهات" أضحك باشمئزاز. اضحك لان مدعي العفة لم يفهم شيئاً من المقصود بالعبارة الشهيرة التي انتهت بطلاق القيصر لزوجته لانها لم تكن فوق الشبهات تحديدا. وأشمئز لما لمدعي الترفع عن الشبهات من استكبار جاهل يضع نفسه من خلاله فوق الواجبات وفوق المحاسبة
ولم أرَ في معشر هؤلاء لا نبل ولا قياصرة ونقطة المقارنة الوحيدة الجائزة مع زوجة القيصر حفلات مجون في احتفالات دينية مع من يتنكرون كالرجال حيناً وكالنساء احياناً."
وللبقية تتمة...

حاطوم مفيد حاطوم
كاتب لبناني