ابرز ما تناولته صحف اليوم الاربعاء ١٧ آب ٢٠٢٢


كتبت النهار

"سيكون" رئيس الجمهورية اللبنانية المقبل، سواء انتخب ضمن المهلة الدستورية ام سبقت انتخابه فترة فراغ أخرى في تجارب الفراغ، الرئيس السادس في عصر الطائف بعد كل من الشهيد رينه معوض والياس الهراوي واميل لحود وميشال سليمان وميشال عون. لسنا في وارد العودة الان الى الظروف التفصيلية لانتخاب كل منهم وسط تعقيدات المراحل التي تناوبت على لبنان ، ولكن المقاربة التي تملي عودة سريعة الى ظروف انتخاب الرؤساء الخمسة تتصل هنا بالغموض غير المسبوق تقريبا الذي يطبع الاستحقاق الرئاسي السادس ، أي الحالي ، خلافا للتجارب الخمس السابقة . ذلك انه حتى في الظروف الدراماتيكية الدامية التي أعقبت اغتيال الرئيس رينه معوض وانتخاب الياس الهراوي لم يستقم الامر ساعات من الغموض لينجلي قرار الوصي السوري في تزكية الهراوي تماما كما في قرار التمديد له ومن بعده انتخاب لحود والتمديد له أيضا فيما تبدلت معالم الاستحقاق بعد عملية اجتياح بيروت على يد "حزب الله" وكان انتخاب ميشال سليمان بتزكية عربية ودولية معروفة . واما في انتخاب عون فكان الوضوح الأشد "سطوعا" مع تلك التسوية المشؤومة ولا حاجة بنا الى نكء ذكرياتها المدمرة .

في حالة الاستحقاق المقبل ، بالأحرى الراهن لان مجرياته انطلقت واقعيا ولو على رؤوس الأصابع من خلال رسم المواقف الأولية العامة من دون توغل واضح في الترشيحات الجادة ، تبدو المعطيات الأكثر رصانة والبعيدة عن المناورات الإعلامية والدعائية منذرة بفترة شهرين ونيف قد تكون الأشد تعقيدا في بلورة المعركة الرئاسية حتى نهاية المهلة الدستورية ان لم يكن بعدها في حال اخفاق مجلس النواب في انتخاب الرئيس الرابع عشر للجمهورية اللبنانية ضمن المهلة . انتفت تقريبا في السوابق الرئاسية بعد اغتيال رينه معوض المعارك الرئاسية بفعل ظروف "التعيين" الخارجي كمثل ما فرض الوصي السوري الهراوي ولحود او بفعل التسوية كمثل ما حصل بانتخاب سليمان او بفعل الصفقة – التسوية كما حصل بانتخاب عون . نحن الان امام ظروف متبدلة تماما توحي بان معركة رئاسية طاحنة ستدور رحاها بقوة في قابل الأيام وسط انعدام رؤية غير مسبوق في المعطيات الخارجية التي غالبا ما كانت تحكم الاستحقاقات الرئاسية اللبنانية وتستولد الرؤساء بتقاطعات داخلية راضخة تماما للمعطى الخارجي . هذا العامل الطارئ على الواقع التاريخي للاستحقاقات الرئاسية ينطوي على افضل ما يمكن ان يطبع الاستحقاق الحالي كما على اخطر ما يمكن ان يتهدده . في حالة الصراع الراهن بين المكونات السياسية والطائفية والكتل النيابية اللبنانية ترانا امام توازن قوى "نظري" على الأقل لجهة عدم امتلاك أي ائتلاف واسع القدرة الفورية على تامين جلسة نصاب الثلثين ومن ثم تمرير انتخاب مرشحه المفترض بالأكثرية المطلقة . هذا التوازن الإيجابي – السلبي في آن واحد يضع المشهد "الاستحقاقي" امام معادلة الغموض المقلق المفتوح على شتى الاحتمالات حتى الانتخاب او الفراغ ضمن المهلة الدستورية وامام ما هو أسوأ من الفراغ بعد الفراغ . هذه المعركة فتحت الان ولكنها مقبلة على ضراوة سياسية مرشحة لان تشكل تجربة مختلفة تماما عن كل السوابق الرئاسية نظرا الى عوامل جوهرية طارئة لا تسمح بالمقارنات مع التجارب السابقة . ليس تفصيلا نافلا ان تشتعل معركة رئاسية على ركام انهيار تاريخي لم يعرف مثيله لبنان ولا بلدان العالم ، ولا على انقاض كارثة اقتصادية – اجتماعية يعيشها اللبنانيون . المعركة هنا أولا ثم تأتي "التفاصيل" .