عندما يتحول التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة مقنّعة


ليس أخطر على العدالة من أن يتحول إجراء استثنائي شرّعه القانون لحماية التحقيق إلى عقوبة تُنفّذ قبل أن تقول المحكمة كلمتها. فمع كل قضية تستحوذ على اهتمام الرأي العام، يعود إلى الواجهة سؤال قديم يتجدد باستمرار: أين تنتهي حدود التوقيف الاحتياطي، وأين تبدأ العقوبة التي لا يصدر بها حكم؟

هذا السؤال لا يرتبط باسم بعينه، ولا بطبيعة قضية محددة، بل بجوهر العدالة الجزائية نفسها. فالتوقيف الاحتياطي، في فلسفة القانون، ليس جزاءً، ولا وسيلة لإرضاء الرأي العام، بل إجراء استثنائي تلجأ إليه السلطة القضائية عندما تقتضي مصلحة التحقيق ذلك، كمنع التأثير على الشهود أو العبث بالأدلة أو الحؤول دون فرار المدعى عليه.

ولهذا السبب، لا يمكن أن يصبح استمرار التوقيف أمرًا تلقائيًا، بل يفترض أن يبقى خاضعًا لرقابة قضائية مستمرة، وأن يستند في كل مرحلة إلى مبررات قانونية وواقعية قائمة، لا إلى افتراضات أو إلى جسامة الاتهام وحدها. فوظيفة هذا الإجراء ليست حماية الرأي العام أو تهدئة ردود الفعل، بل حماية حسن سير العدالة، بما يفرض على القضاء إعادة تقييم مبررات التوقيف كلما تبدلت الوقائع أو انتفت الأسباب التي بررت استمراره.

ويكرّس الدستور اللبناني هذا المفهوم في مادته الثامنة، التي تنص على أن الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون، فيما يؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضم إليه لبنان، في مادته التاسعة، أن الأصل هو الحرية، وأن التوقيف السابق للمحاكمة يجب ألا يتحول إلى القاعدة العامة، بل أن يبقى استثناءً تبرره ضرورات محددة.

كما نظّم قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني التوقيف الاحتياطي، واضعًا له ضوابط وأحكامًا، مع استثناءات تتعلق بطبيعة بعض الجرائم. ويعكس هذا التنظيم فكرة أساسية مفادها أن حرمان الإنسان من حريته قبل صدور حكم مبرم لا يجوز أن يستمر إلا بقدر ما تفرضه ضرورات العدالة، وبقرار قضائي معلل يبيّن أسباب استمرار التوقيف كلما اقتضى الأمر، وفقًا للأحكام التي يرسمها القانون.

ولا يمكن إغفال أن العدالة لا تنظر إلى النصوص بمعزل عن الإنسان الذي تُطبق عليه. فالعمر، والوضع الصحي، والسلوك أثناء المحاكمة، وثبات محل الإقامة، ومدى بقاء مبررات التوقيف، كلها عناصر قد تدخل في التقدير القضائي عند النظر في استمرار الحرمان من الحرية، بحسب ظروف كل ملف وما يتوافر فيه من معطيات.

ولم يكن الفكر القانوني المقارن بعيدًا عن هذا المنطق. فقد اعتبرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في اجتهادها Letellier v. France عام 1991 أن مجرد خطورة الاتهام لا يكفي لتبرير استمرار التوقيف، وأن على القضاء أن يبيّن أسبابًا “ذات صلة وكافية” تبرر استمرار سلب الحرية. وفي اجتهادها Buzadji v. Moldova عام 2016، شددت المحكمة على أن عبء تبرير استمرار التوقيف يزداد كلما امتدت مدته، وأن بقاء شخص قيد الاحتجاز لا يجوز أن يتحول إلى وضع اعتيادي.

ولا تُعد هذه الاجتهادات ملزمة للقضاء اللبناني، لكنها تعبّر عن مبدأ قانوني واسع الانتشار، قوامه أن التوقيف الاحتياطي وسيلة إجرائية لا عقوبة مبكرة.

ومن هنا تبرز الإشكالية الأخطر: متى يتحول التوقيف الاحتياطي، ولو من دون قصد، إلى عقوبة مقنّعة؟

يبدأ هذا التحول عندما تصبح الحرية هي الاستثناء، ويصبح التوقيف هو الأصل. وعندما يطول أمد الاحتجاز، يصبح من الطبيعي أن يُعاد تقييم ما إذا كانت الأسباب التي بررت التوقيف في بدايته لا تزال قائمة. فالقانون يفرض على القضاء أن يوازن بصورة مستمرة بين مصلحة العدالة والحق في الحرية، وأن يتحقق من استمرار الضرورات التي بررت هذا الإجراء منذ بدايته.

ولا يعني ذلك أن كل موقوف يستحق إخلاء سبيله، ولا أن كل طلب يجب أن يُقبل. فلكل ملف وقائعه، ولكل دعوى خصوصيتها، والقرار يبقى من اختصاص المحكمة وحدها. لكن المبدأ الذي لا خلاف عليه هو أن التوقيف الاحتياطي لا ينبغي أن يتحول، بفعل الزمن وحده، إلى عقوبة تُنفذ قبل أن يصدر الحكم.

وتعيد هذه المبادئ إلى الواجهة النقاش الذي يرافق عددًا من الملفات القضائية الراهنة في لبنان، ومنها القضية المنظورة أمام القضاء المتعلقة بالشيخ خلدون عريمط، والتي أثارت اهتمامًا واسعًا. ومع مرور أشهر على التوقيف، عاد النقاش القانوني ليتجدد حول مدى استمرار المبررات التي تبرر إبقاء التوقيف الاحتياطي في مثل هذه الملفات، وهي أسئلة لا تخص هذه القضية وحدها، بل تطاول كل دعوى يبقى فيها المتهم موقوفًا قبل صدور حكم نهائي.

ويبقى الفصل في أي طلب أو إجراء ضمن هذه القضية، كما في غيرها، من الصلاحية الحصرية للمحكمة المختصة، التي تُقدّر الوقائع وتُطبّق القانون وفق ما يتوافر لديها من معطيات. غير أن النقاش الذي تثيره هذه الملفات يظل فرصة لإعادة التأكيد على مبدأ عام لا يقتصر على قضية بعينها، وهو أن التوقيف الاحتياطي إجراء استثنائي أوجده القانون لخدمة العدالة، وأن أي نقاش حول استمراره يجب أن يبقى محكومًا بالنصوص القانونية والضمانات الدستورية، بعيدًا من الضغوط والانطباعات المسبقة.

إن قوة القضاء لا تُقاس فقط بقدرته على ملاحقة الجرائم، بل أيضًا بقدرته على حماية الضمانات التي يكفلها القانون لكل إنسان، وفي مقدمتها قرينة البراءة والحق في الحرية الشخصية. فالعدالة الحقيقية لا تكتمل بإصدار الأحكام العادلة فحسب، بل تبدأ أيضًا بضمان أن تبقى الإجراءات السابقة للحكم خاضعة للقانون، وألا تتحول، مهما كانت النيات، إلى عقوبة مقنّعة تسبق الإدانة.

فالعدالة التي تسمح بأن يفقد التوقيف الاحتياطي طبيعته الاستثنائية، وأن تتحول مدته وحدها إلى مبرر لاستمرار الحرمان من الحرية، تخاطر بإضعاف أحد أهم المبادئ التي قامت عليها دولة القانون: لا عقوبة بلا حكم، ولا سلب للحرية إلا بالقدر الذي تفرضه الضرورة القانونية.



Whatsapp Channel https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h on telegram https://t.me/achrafieh_news all platforms Achrafieh News لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا