"إسرائيل تسيطر على الشقيف... و"اليونسكو" تدق ناقوس الخطر"


تتجه منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" إلى إدراج قلعة الشقيف وعدد من المواقع الأثرية في جنوب لبنان على لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر، في خطوة تأتي بعد سيطرة الجيش الإسرائيلي على القلعة واستمرار الحرب بين إسرائيل و"حزب الله" منذ نحو 3 سنوات.



وبحسب تقرير لوكالة "فرانس برس"، من المتوقع أن تصوت الدول الأعضاء في "اليونسكو" هذا الأسبوع، ضمن إجراء سريع، على إدراج القلعة الصليبية، التي شكلت على مدى عقود رمزًا للحضور العسكري الإسرائيلي في لبنان، إلى جانب مجموعة من المواقع الأخرى التي تعتبر المنظمة أنها تواجه خطرًا نتيجة الحروب أو التغير المناخي.



ومن المقرر أن تبدأ 196 دولة عضوًا في "اليونسكو"، اعتبارًا من يوم الجمعة المقبل، التصويت على إضافة مواقع جديدة إلى لوائح التراث العالمي والتراث العالمي المهدد بالخطر، خلال مؤتمر المنظمة الذي سيعقد في مدينة بوسان في كوريا الجنوبية.



وقال مدير مركز التراث العالمي في "اليونسكو" لازار إيلوندو أسومو لوكالة "فرانس برس": "ربما لا نملك الوسائل لنشر قوات حفظ سلام، لكن يمكننا توجيه رسالة إلى العالم بأسره". وأضاف: "هذه المواقع مهمة، ويجب القيام بكل ما يمكن لمنع تدميرها".



وأوضح أسومو أن حماية التراث تتيح للمجتمعات التي تعرضت للصدمات وتضررت من النزاعات أن تبدأ بالعودة والتعافي، مشددًا على أن إدراج أي موقع على لائحة "التراث المهدد بالخطر" لا يشكل توبيخًا، بل خطوة تهدف إلى مساعدة الدول في "العثور على التمويل والشركاء وجذب الاهتمام"، بما يسمح بالحفاظ على الموقع بصورة أفضل.



وتضم لائحة التراث العالمي التابعة لـ"اليونسكو" نحو 1200 موقع حول العالم، وغالبًا ما يساهم إدراج المواقع عليها في تعزيز الحركة السياحية والاقتصادية، كما قد يؤدي إلى توفير تمويل لأعمال الحماية والترميم في المواقع المهددة بالتلوث أو الحرب أو الإهمال.



ومن المتوقع أن تخضع 3 مواقع لم تكن مدرجة سابقًا على اللائحة لإجراء سريع، بحيث تنتقل مباشرة إلى التصويت على إدراجها ضمن الأماكن المهددة بالخطر. وتأتي في مقدمة الأولويات 5 قلاع في جنوب لبنان، بينها قلعة الشقيف، المعروفة بالعبرية باسم "البوفور" وبالعربية باسم "قلعة الشقيف"، والتي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي في أيار الماضي، بعد 26 عامًا على انسحابه منها.



وتقع قلعة الشقيف على مرتفع في منطقة منعطف نهر الليطاني، وتشرف على مساحات واسعة من جنوب لبنان والمنطقة المقابلة لإصبع الجليل، ما جعلها منذ عقود إحدى أكثر النقاط استراتيجية وحساسية بالنسبة إلى إسرائيل.



وتتيح السيطرة على القلعة مجال مراقبة واسعًا للمناطق المحيطة بها، فيما اعتبرتها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على مدى سنوات موقعًا يمكن من خلاله رصد التهديدات وإبعادها عن مستوطنات الشمال.



وبقيت القلعة محفورة في الذاكرة الإسرائيلية منذ ثمانينيات القرن الماضي ومرحلة ما عرف بـ"الحزام الأمني". وحتى حرب لبنان الأولى، كانت تسيطر عليها مجموعات من منظمة التحرير الفلسطينية، واستفادت من موقعها المرتفع لإطلاق قذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا باتجاه مستوطنات الجليل، ومراقبة محاور تقدم محتملة للجيش الإسرائيلي نحو الشمال.



ومع انطلاق عملية "سلامة الجليل" عام 1982، أصبح احتلال القلعة أحد الأهداف الأولى والأكثر رمزية للجيش الإسرائيلي، ونفذت وحدة الاستطلاع التابعة للواء "غولاني" المهمة في حزيران 1982.



وبعد انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى خط "الحزام الأمني" عام 1985، تغير دور قلعة الشقيف، فتحولت من نقطة انطلاق هجومية إلى موقع أمامي معزول في قلب جنوب لبنان.



وعلى مدى نحو 15 عامًا، تمركز جنود الجيش الإسرائيلي فيها داخل منشأة محصنة، وتعرضوا لنيران متواصلة من "حزب الله"، فيما أطلق على الطريق المؤدية إليها اسم "محور الدماء"، بسبب العبوات وإطلاق النار اللذين تسببا بسقوط عدد كبير من الضحايا.



وبالنسبة إلى جيل كامل من الجنود وعائلاتهم، تحولت القلعة إلى رمز للبقاء الإسرائيلي الطويل والدامي في لبنان.



وانتهى الوجود الإسرائيلي في قلعة الشقيف ليل 23 أيار 2000، مع انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان. وقد أخلي الموقع في ظل سرية مشددة، قبل تفجير المنشأة العسكرية التي أقيمت حول القلعة، في محاولة لمنع "حزب الله" من تسجيل صورة انتصار فيها.



وفي أيار الماضي، عاد الجيش الإسرائيلي إلى القلعة، وفي الشهر الماضي عرض توثيقًا لشبكة أنفاق أقيمت في المنطقة على مدى عقد، وقال إنها استخدمت مركزًا للقيادة والسيطرة لمئات المقاتلين.



وأكد الجيش الإسرائيلي أن نحو 400 صاروخ أطلقت من هذا المجمع باتجاه الشمال، وأعلن بدء عملية لتدمير هذه البنية التحتية تحت الأرض.



ولا تقتصر المواقع المرشحة للإدراج على لبنان، إذ يتوقع أيضًا التصويت على إدراج الموقع الأثري في سبسطية في الضفة الغربية، حيث لا تزال بقايا مدينة السامرة التوراتية محفوظة.



وأشارت "فرانس برس" إلى أن فلسطينيين في القرية المجاورة، الواقعة تحت سيطرة إسرائيلية فلسطينية مشتركة، يعتمدون منذ فترة طويلة على زيارات السياح إلى الموقع الأثري كمصدر رزق، ويخشون أن تمنع إسرائيل الوصول إليه بصورة كاملة.



وفي المقابل، تعرض الموقع خلال السنوات الأخيرة لعدد من الهجمات التي ألحقت أضرارًا بالموجودات الأثرية، بما في ذلك أعمال إحراق وكتابة عبارات باللغة العربية.



وكانت إسرائيل قد انسحبت من "اليونسكو" عام 2017، لكنها بقيت عضوًا في لجنة التراث العالمي، التي تملك الكلمة الأخيرة في تحديد المواقع التي ستدرج على كل لائحة.



كما ستصوت الدول الأعضاء في "اليونسكو" على الإدراج المباشر لمناطق السافانا العشبية والغابات في بوما وبادينغيلو في جنوب السودان ضمن لائحة "التراث المهدد بالخطر"، بسبب التهديدات الناجمة عن الحرب والتغير المناخي.



ويهاجر سنويًا في هذه المنطقة البرية الواسعة، الواقعة بين النيل الأبيض والحدود الإثيوبية، نحو مليون حيوان، بينها الظباء والغزلان، وتترك على المراعي آثارًا يمكن رؤيتها حتى من السماء.



وإلى جانب المواقع المصنفة ذات أولوية قصوى، قد يعاد تصنيف عدد من المواقع المدرجة أصلًا على لائحة التراث العالمي باعتبارها باتت في خطر.



وتشمل هذه المواقع بقايا الحمامات الرومانية وقوس نصر يعود إلى القرن الثاني وميدان سباق الخيل في مدينة صور، التي تعرضت خلال الأشهر الأخيرة لقصف إسرائيلي كثيف.



ومن بين المواقع المرشحة أيضًا مستوطنة خيرسونيسوس اليونانية القديمة في شبه جزيرة القرم، التي ضمتها روسيا من أوكرانيا بصورة أحادية عام 2014.



وتقول أوكرانيا إن الموقع مهدد بسبب حفريات غير مرخصة، ومشاريع بناء واسعة النطاق، ونقل آثار عقب الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم.



كما قد يصنف أعمق بحيرة في العالم، بحيرة بايكال في روسيا، ضمن المواقع المهددة بالخطر، في ظل جهود السلطات لوقف الأضرار الناجمة عن التلوث والسياحة الجماعية وقطع الأشجار على نطاق واسع، إضافة إلى انخفاض مستويات المياه بسبب سد أقيم عند المنبع في منغوليا.



وبحسب روسيا، تحتوي البحيرة السيبيرية الضخمة على 20% من مجموع احتياطات المياه العذبة غير المتجمدة في العالم، ويطلق عليها اسم "غالاباغوس روسيا"، كما تشكل موطنًا لتنوع كبير من النباتات والحيوانات.



وكانت وكالة الأمم المتحدة قد حذرت في تقرير صدر عام 2023 من أنه ما لم يتم وقف "التدهور البيئي الحاصل في بحيرة بايكال" وعكس مساره بصورة عاجلة، فسيجري تصنيفها ضمن المواقع المعرضة للخطر.



وفي موازاة ذلك، تتنافس مواقع أخرى على دخول لائحة التراث العالمي العادية، من بينها شواطئ نورماندي في فرنسا، حيث نزلت قوات الحلفاء في 6 حزيران 1944 خلال الحرب العالمية الثانية.



كذلك، قد تدرج مسرحان بُنيا داخل غابات الأمازون في البرازيل، إلى جانب قرية سيدي بوسعيد التونسية.



وبينما تضع "اليونسكو" قلعة الشقيف على مسار الحماية الدولية، يعيد موقعها اليوم فتح صفحة من أكثر صفحات الجنوب اللبناني حساسية، حيث تختلط القيمة التاريخية للقلعة مع موقعها العسكري، ويصبح التراث نفسه شاهدًا على حرب لم تنته بعد.


Whatsapp Channel https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h on telegram https://t.me/achrafieh_news all platforms Achrafieh News لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا