استقبل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي النائب إبراهيم كنعان، يرافقه الأمين العام للرابطة المارونية بول كنعان، حيث جرى عرض التطورات السياسية والاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمها زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى الولايات المتحدة، إضافة إلى أوضاع الجيش اللبناني، وملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية، وحقوق المودعين، وسبل استعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها بما يساهم في تحقيق التعافي الشامل وإعادة إطلاق مسار النهوض الوطني.
وأكد الراعي خلال اللقاء أهمية التمسك بالرجاء رغم التحديات التي يواجهها لبنان، وتعزيز دور الدولة ومؤسساتها، وصون رسالة لبنان القائمة على الحرية والعيش المشترك، مشددًا على أن الحوار والتعاون بين جميع اللبنانيين يبقيان السبيل الأمثل لمواجهة الأزمات وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.
وبعد اللقاء، قال كنعان إن تاريخ لبنان هو تاريخ بناء وتطوير متواصل، وهو تاريخ لبنان الكبير الذي قام على الشراكة والوحدة والعمل الدؤوب من أجل جمع ما تفرّق وإعادة لمّ شمل الوطن.
وأضاف أن لبنان نهض بإرادة جميع أبنائه، مسلمين ومسيحيين، معتبرًا أن الدور الحقيقي للمسيحيين كان ولا يزال أساسيًا في تكوين الوطن والحفاظ عليه وضمان استمراره، ضمن شراكة وطنية لا تقوم على الاستئثار أو الإقصاء.
وأكد كنعان أن لا مستقبل للبنانيين خارج إطار الدولة، لأنها وحدها القادرة على احتضان جميع أبنائها وصون حقوقهم، لافتًا إلى أن لبنان مرّ بظروف قاسية أضعفت الدولة وأثرت في مؤسساتها، إلا أن البلاد تقف اليوم أمام فرصة جديدة وُلدت من قلب الدمار والوجع والدم والصعوبات التي عاشها اللبنانيون على اختلاف طوائفهم ومناطقهم.
وأشار إلى أن بعض المناطق دفعت أثمانًا أكبر من غيرها، وهي حاضرة دائمًا في الوجدان الوطني، إلا أن الحقيقة تبقى أن لبنان بأكمله يعيش المعاناة ويتحمل تداعيات الأزمات والحروب المتلاحقة.
وسأل كنعان عما إذا كان الحل يكمن في استمرار الحرب، مؤكدًا أن الجواب هو بالتأكيد لا، ومعتبرًا أن اللبنانيين ليسوا من يفرضون الحروب، وإن كانوا يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان ضحايا لها.
وشدد على أن الحرب يجب أن تتوقف، وأن تحقيق ذلك يحتاج إلى ضغط جدي يأخذ في الاعتبار مجمل التطورات الجارية في المنطقة، ولا سيما على مستوى المفاوضات والمسارات الدبلوماسية الهادفة إلى تثبيت الاستقرار وحماية الحقوق اللبنانية.
وتساءل: «لماذا يُفرض على لبنان أن يكون في موقع التفاوض على مصيره؟ ومن يملك حق تقرير مستقبلنا؟»، مؤكدًا أن مصدر القوة الحقيقي للبنان لا يكون إلا من خلال الوحدة الوطنية والالتفاف خلف الدولة ورئيس الجمهورية ومؤسسات الدولة والجيش اللبناني.
ورأى أن هذه الوحدة وحدها قادرة على حماية لبنان وتمكينه من مواجهة التحديات، وأن استعادة الدولة دورها الكامل تفتح المجال أمام تحويل التفاوض إلى وسيلة لاستعادة الحقوق، وإعادة النازحين إلى أراضيهم، وإطلاق ورشة إعادة إعمار البلاد، وتشجيع المهاجرين على العودة بعدما يستعيد لبنان أمنه واستقراره.
وأكد أن هذا هو الطريق الذي يبني الأوطان، فيما لم تجلب الحروب للبنان سوى الخسائر والدمار والتهجير واستنزاف الطاقات البشرية والاقتصادية.
وتوقف كنعان عند الأثمان التي دفعتها المناطق اللبنانية نتيجة الحروب والصراعات الداخلية والخارجية، وفي مقدمها تهجير الشباب والكفاءات إلى خارج البلاد، مشيرًا إلى أنه أمضى شخصيًا 15 عامًا في الاغتراب، لا بسبب الظروف الاقتصادية أو المعيشية، بل لأن الواقع القمعي الذي كان قائمًا حينها لم يكن يسمح للكلمة الحرة بأن تُقال داخل لبنان.
وانطلاقًا من هذه التجربة، رأى أن مصلحة جميع اللبنانيين تقتضي إعطاء الدولة فرصة حقيقية للنهوض، وفقًا للدستور ومن خلال مؤسساتها الشرعية وقوانينها، ومن دون أي استثناء أو تمييز.
وشدد على أن هذا الموقف ليس ظرفيًا أو استعراضيًا، بل خيار وطني ثابت يقوم على إعادة الاعتبار إلى الدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة القادرة على حماية اللبنانيين وإدارة الملفات السيادية والاقتصادية والأمنية.
وفي ما يتعلق بزيارة رئيس الجمهورية إلى واشنطن، قال كنعان إن الهدف الأساسي منها يجب أن يتمثل في تثبيت الاستقرار، والعمل على وقف الحرب، واستعادة الحقوق، وتحرير الأرض، وتأمين عودة المواطنين إلى منازلهم.
وأضاف أن كل التضحيات تصبح مقبولة عندما تصب في مصلحة لبنان واللبنانيين، وتؤدي إلى وقف النزف وحماية السيادة وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتثبيت حضورها.
ويأتي هذا الموقف في ظل اهتمام سياسي واسع بالزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية إلى الولايات المتحدة، وما يمكن أن تحمله من نقاشات تتعلق بمستقبل الاستقرار في لبنان، والأوضاع في الجنوب، ودعم الجيش اللبناني، واستعادة الدولة دورها في إدارة الملفات الوطنية.
وتُعد قضية الجيش اللبناني من أبرز الملفات التي تحضر في هذه المرحلة، نظرًا إلى الدور المحوري الذي تؤديه المؤسسة العسكرية في حماية الاستقرار الداخلي وضبط الأمن والدفاع عن السيادة، في ظل أزمات مالية واقتصادية انعكست بصورة مباشرة على قدراتها واحتياجات عناصرها.
كما تكتسب زيارة واشنطن أهمية في ظل الحاجة إلى تأمين دعم سياسي واقتصادي وعسكري للبنان، وممارسة ضغوط دولية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وإعادة المواطنين إلى بلداتهم وقراهم، تمهيدًا لإطلاق مسار إعادة الإعمار وإعادة الحياة إلى المناطق المتضررة.
وانتقل كنعان إلى الملف التشريعي، معتبرًا أن الحديث يكثر اليوم عن التشريع، لكن المطلوب هو التشريع من أجل حماية الحقوق، لا التشريع لخدمة المصالح السياسية أو الخاصة.
وقال إن لبنان يحتاج إلى قوانين تعيد لكل صاحب حق حقه، وتمنح المواطنين الثقة بدولتهم ومؤسساتها، معتبرًا أن استعادة الثقة تشكل المدخل الأساسي لأي إصلاح اقتصادي أو مالي جدي.
وفي هذا السياق، شدد على أنه لا يمكن إغفال قضية المودعين، مؤكدًا أن عدم استعادة اللبنانيين ودائعهم، وعدم تعافي الاقتصاد واسترجاع الثقة بالقطاع المصرفي، سيحول دون تحقيق أي تعافٍ حقيقي.
وحذر من الاستمرار في تقديم الوعود أو إعطاء الناس آمالًا زائفة، مشددًا على أن المودعين ليسوا فئة معزولة، بل شريحة واسعة من اللبنانيين الذين عملوا وضحوا وجمعوا مدخراتهم على مدى سنوات طويلة، قبل أن يجدوا أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى أموالهم.
ويُعد ملف الودائع من أكثر الملفات الاقتصادية والاجتماعية حساسية في لبنان، نظرًا إلى ارتباطه المباشر بمصير مئات آلاف العائلات، وبالثقة بالنظام المصرفي وبقدرة الدولة على إدارة الخسائر وتوزيع المسؤوليات بصورة عادلة.
كما يشكل هذا الملف اختبارًا حقيقيًا لأي خطة إصلاحية، إذ لا يمكن بناء قطاع مصرفي جديد أو استقطاب الاستثمارات وإعادة تنشيط الاقتصاد من دون معالجة واضحة وعادلة لحقوق المودعين، بعيدًا من الحلول المجتزأة أو تحميل الخسائر لأصحاب الحقوق وحدهم.
وختم كنعان بالتأكيد أن المطلوب اليوم ليس حلولًا موقتة أو مجتزأة، بل تشريعات واضحة وعادلة تحفظ حقوق اللبنانيين، وتعيد تحصين مؤسسات الدولة، وتؤسس لمرحلة جديدة من الثقة والاستقرار.
وأعرب عن أمله في أن يلتزم النواب بهذه الروحية الوطنية، وأن تتم ترجمتها عمليًا خلال الجلسات المقبلة، بما يسمح بإقرار قوانين تخدم الصالح العام وتضع حقوق اللبنانيين في مقدم الأولويات.
وفي إطار لقاءاته، استقبل الراعي سفير إسبانيا في لبنان ميغيل دو لوكاس غونزالِس، يرافقه القنصل غونسالو مورو، في زيارة تعارف جرى خلالها عرض العلاقات اللبنانية – الإسبانية، ودور الكنيسة المارونية في تاريخ لبنان، وأهمية الوادي المقدس في الحفاظ على الإيمان والتراث.
كما تناول اللقاء رسالة العيش المشترك في لبنان، وتجربته في الحوار الإسلامي – المسيحي، إلى جانب واقع الانتشار الماروني وعلاقات الكنيسة المارونية مع الكرسي الرسولي.
وتحمل العلاقات اللبنانية – الإسبانية بعدًا دبلوماسيًا وثقافيًا وإنسانيًا، فيما يشكل اهتمام إسبانيا بالإرث الديني والحضاري اللبناني مساحة لتعزيز التعاون في مجالات حماية التراث والتبادل الثقافي ودعم نموذج التنوع والعيش المشترك.
واستقبل الراعي أيضًا إيلي باسيل الذي زاره للاطمئنان إلى صحته، وكانت الزيارة مناسبة لتجديد أواصر المحبة والتمني له بدوام الصحة والعافية.
كذلك، استقبل وفدًا من رهبان دير مار شربل – بقاعكفرا برئاسة الأب الياس شكري، واطلع منهم على أوضاع الدير والحركة الروحية التي يشهدها، والفرح بإعلان تطويب البطريرك الياس الحويك.
وتناول اللقاء كذلك أوضاع الرسالة المارونية في فنزويلا وأستراليا، والجهود المبذولة للحفاظ على اللغة السريانية ونشرها في شمال لبنان، باعتبارها جزءًا أساسيًا من التراث الروحي والثقافي للكنيسة المارونية.
وتبرز هذه اللقاءات الدور الذي يؤديه الصرح البطريركي في متابعة القضايا الوطنية والاجتماعية والاقتصادية والروحية، وفي الحفاظ على التواصل مع المؤسسات السياسية والدبلوماسية والكنسية، انطلاقًا من موقع بكركي التاريخي في الدفاع عن الدولة والشراكة الوطنية والحرية وحقوق اللبنانيين.
Whatsapp Channel
https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h
on telegram
https://t.me/achrafieh_news
all platforms
Achrafieh News
لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا

Social Plugin