تتعمّق المعضلة التي يواجهها الدروز في سوريا بين مخاوف وجودية يثيرها ضعف السلطة المركزية وصعود الجماعات المسلحة، وبين رفضهم تحوّل التدخل الإسرائيلي المعلن لحمايتهم إلى وصاية عسكرية تمس سيادتهم ومكانتهم داخل الدولة السورية، في وقت خرجت من بلدة حضر الدرزية رسائل حادة تصف تحركات الجيش الإسرائيلي بأنها "عدوان"، وتحذّر من مواجهتها بـ"دفاع عنيد".
وبحسب تقرير للصحافي إيلي أشكنازي في موقع "واللا" الإسرائيلي، كان عضو الكنيست أكرم حسون قد أعلن نهاية الأسبوع الماضي وجود "خطة كبيرة جدًا لإنقاذهم"، في إشارة إلى الدروز في سوريا.
وقال حسون، وهو درزي وعضو في كتلة "أمل جديد" المشاركة في الائتلاف الإسرائيلي: "هناك خطة كبيرة جدًا لإنقاذهم، وبعون الله سيأتي قريبًا الفرج والخلاص لكل إنسان ولكل من ينتمي إلى طائفة بني معروف".
ولم تتضح طبيعة "الخطة الكبيرة" التي تحدث عنها حسون، إلا أن تسجيلًا مصورًا من تجمع شعبي في بلدة حضر الدرزية، الواقعة في الجولان السوري، أظهر أن المشهد أكثر تعقيدًا مما تقدمه التصريحات الإسرائيلية.
فالمتحدث خلال التجمع لم يتحدث عن الخلاص، بل عن ضرورة الحماية مما وصفه بـ"العدوان الإسرائيلي"، وعن المساس بالسيادة والحياة اليومية للسكان نتيجة توسيع الجيش الإسرائيلي نطاق انتشاره الأمني.
وجاءت هذه المواقف خلال خطاب أُلقي أمام حشد كبير، قال صاحبه إنه يمثل "شريحة واسعة من سكان حضر".
وتضع التحولات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ وصول الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع، الطائفة الدرزية أمام اختبارات وجودية شديدة التعقيد.
وتقع حضر في جنوب سوريا عند سفوح جبل الشيخ السوري وبالقرب من الحدود مع إسرائيل، وقد حافظ سكانها خلال الحرب السورية على ولائهم المعلن لنظام بشار الأسد، وشكلوا مجموعات محلية للدفاع عن البلدة في مواجهة هجمات قاسية نفذتها جماعات مسلحة متطرفة، من بينها "جبهة النصرة".
وأثار الحصار الذي فُرض على البلدة حينها مخاوف وجودية وقلقًا واسعًا لدى الدروز في إسرائيل، ما دفع ممثليهم إلى ممارسة ضغوط كبيرة على الحكومة الإسرائيلية، قبل أن يعلن الجيش الإسرائيلي، في خطوة غير مألوفة، أنه لن يسمح بسقوط البلدة.
ومع انهيار نظام الأسد وصعود الإدارة الجديدة برئاسة الشرع، وجدت حضر نفسها داخل فراغ في السلطة وأمام مخاوف وجودية متجددة.
وفي محاولة لمنع دخول قوات ذات توجهات إسلامية أو جماعات مسلحة إلى المنطقة، وسّع الجيش الإسرائيلي نشاطه العسكري في عمق جنوب غربي سوريا، ولا سيما في منطقة القنيطرة، وأنشأ نطاقًا أمنيًا داخل الأراضي السورية.
ويؤيد ممثلو الجمهور الدرزي في إسرائيل بصورة واضحة تدخلًا إسرائيليًا يهدف إلى إنقاذ الأرواح ومنع ارتكاب مجازر بحق الدروز في سوريا.
لكنهم، في المقابل، مطالبون بتوخي حذر شديد حتى لا يتحول الاحتضان الإسرائيلي إلى "عناق دب" يهدد مكانة الدروز وشرعيتهم داخل المجتمع والدولة السورية.
وتعبّر تصريحات حسون عن موقف حازم يقوم على مبدأ التكافل بين الدروز في إسرائيل وأبناء طائفتهم في سوريا، مع منح السياسة الإسرائيلية قدرًا شبه كامل من الثقة.
واستذكر حسون بألم المجازر المروّعة التي نفذتها جماعات مسلحة في السويداء بحق رجال الدين من أبناء الطائفة، وقارن ما تعرض له الدروز في سوريا بما تعرض له الإيزيديون والعلويون والمسيحيون والأكراد.
وقال حسون، في سياق حديثه عن خطة الإنقاذ: "لن ننسى وسنقاتل. لن نركع أمام أحد ولن نسامح".
كما شدد على التزام المستوى الحكومي الإسرائيلي تجاه الدروز، قائلًا: "نشكر رئيس الحكومة ودولة إسرائيل، لأنها تعتبر كرامة دروز إسرائيل من كرامة دروز العالم بأسره، وليس دروز سوريا فقط".
وتقدم هذه التصريحات، وفق التقرير، التزامًا بشبكة أمان إسرائيلية يفترض أن تهدف إلى حماية الدروز في سوريا.
وفي المقابل، حمل الخطاب الذي أُلقي خلال التجمع في حضر احتجاجًا حادًا على عمليات الجيش الإسرائيلي في المنطقة.
وقال المتحدث الدرزي السوري: "نعبّر عن رفضنا الشديد لأعمال الجيش الإسرائيلي المتمثلة في اقتحام عدد من منازل بلدتنا، وانتهاك حرمتها، وترهيب النساء والأطفال، وتقييد الحركة في الأراضي الزراعية".
وشدد على أن "الدروز ليسوا أقلية تطلب الحماية".
وكانت الرسالة الموجهة إلى إسرائيل واضحة، إذ حذّر المتحدث من أن استمرار النشاط العسكري داخل البلدة سيواجه بـ"دفاع عنيد، حتى لو كلّفنا ذلك التضحية بأرواحنا".
ويجد الدروز في سوريا أنفسهم اليوم عالقين بين سلطة مركزية ضعيفة لا يشعرون بالثقة تجاهها، وبين وجود عسكري إسرائيلي واسع ومهيمن داخل مناطقهم.
ويرفض الجمهور الذي قال المتحدث في تجمع حضر إنه يمثله أن يتحول الدروز إلى جماعة خاضعة للوصاية الإسرائيلية، حتى عندما تعرض عليهم إسرائيل حبل نجاة من خلال ما تصفه بـ"خطة كبيرة جدًا".
وتكشف المقارنة بين خطاب حسون وموقف سكان حضر حجم المأزق الذي تعيشه الطائفة، ففي حين ينظر معظم الدروز في إسرائيل بإيجابية إلى تدخل الجيش الإسرائيلي ويعدون بخطة إنقاذ واسعة، تعارض شرائح من الدروز في حضر هذا التدخل بشدة.
وبين الخوف من التهديدات المحيطة بهم ورفض تحويل الحماية إلى نفوذ دائم، يحاول دروز سوريا النجاة من الخطر من دون خسارة هويتهم الوطنية أو التحول إلى ورقة في صراع القوى على الجنوب السوري.
Whatsapp Channel
https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h
on telegram
https://t.me/achrafieh_news
all platforms
Achrafieh News
لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا

Social Plugin