الهجمات الإيرانية على الرادارات الأميركية.. استهداف القلب


شفيق طاهر

لم تعُد الضربات الإيرانية الأخيرة في الشرق الأوسط مجرد رسائل نارية متبادلة ضمن قواعد الاشتباك المعروفة، بل بدت أقرب إلى اختبار عملي لصلابة البنية الدفاعية الأميركية في المنطقة، خصوصاً في أكثر حلقاتها حساسية، الرادارات ومنظومات الإنذار المبكر. فما كشفته صور الأقمار الصناعية والتقارير المفتوحة المصدر بشأن تعرض رادارات متقدمة، في الأردن والبحرين وفي مواقع خليجية أخرى، لأضرار مباشرة لا يمكن قراءته باعتباره حادثاً تقنياً معزولاً، بل بوصفه تطوراً استراتيجياً يضع سؤالاً كبيراً أمام واشنطن وحلفائها، ماذا يحدث حين تصبح عين الدرع الصاروخية نفسها هدفاً سهلاً؟

استهداف القلب لا الأطراف

تكمن خطورة هذه الهجمات في أنها لم تستهدف فقط منصات اعتراض أو قواعد جوية، بل ذهبت إلى قلب المنظومة، أجهزة الرصد والتتبع والإنذار التي تقوم عليها فلسفة الدفاع الصاروخي بأكملها. فالرادارات من طراز "AN/TPY-2"، المرتبطة بمنظومة "THAAD"، تمثل عنصراً حاسماً في اكتشاف التهديدات الباليستية مبكراً، وتوفير البيانات اللازمة لاعتراضها. وكذلك الحال بالنسبة إلى رادار "AN/FPS-132"، الذي يُعدّ أحد أبرز أنظمة الإنذار المبكر الثابتة في الخليج. وعندما تتعرض هذه الأنظمة للضرب، فإن المعنى لا يقتصر على خسارة باهظة، بل في القدرة على رؤية التهديد قبل وصوله.

ومن هنا، يمكن فهم المنطق الإيراني في اختيار هذه الأهداف. فبدل الاكتفاء بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة نحو أهداف تقليدية، بدا أن طهران تسعى إلى تقويض البيئة التي تسمح أصلاً باعتراض هذه الهجمات. فالمقصود تقليص قدرة الخصم على الاستجابة الدقيقة. وهذا تطور لا يعكس مجرد تحسن في وسائل الهجوم؛ بل يكشف أيضاً فهماً متقدماً لطبيعة الحرب الحديثة، حيث تصبح إصابة العقدة المعلوماتية أكثر تأثيراً أحياناً من إصابة الهدف العسكري المباشر.

الرادارات الثابتة هشاشة ميدانية

الأكثر إرباكاً للولايات المتحدة أن هذه الرادارات، بالرغم من كلفتها الهائلة وتطورها التقني، تبدو أهدافاً ثابتة، معروفة الموقع ويمكن تتبعها بسهولة عبر صور الأقمار الصناعية والخرائط المفتوحة. وهذا يعني أن التفوق التكنولوجي لا يكفي وحده حين يغيب التصور الدفاعي المرن والمتعدد الطبقات. فحماية هذه المواقع لا يمكن أن تعتمد فقط على هيبتها التقنية أو على بعدها الجغرافي، بل تحتاج إلى شبكات قريبة مضادة للطائرات المسيرة والتهديدات المنخفضة الارتفاع، وهي التهديدات التي أثبتت مراراً أنها قادرة على إرباك أنظمة صممت أساساً لمواجهة الصواريخ الأكبر والأسرع.

ولا تقف المشكلة هنا، بل تمتد إلى معضلة أكثر تعقيداً تتعلق بكلفة التعويض وبطء الاستبدال. فهذه الرادارات ليست معدات ميدانية عادية يمكن سحبها من المخازن أو تعويضها خلال أسابيع، بل هي أنظمة استراتيجية باهظة الثمن، يقدر سعر بعضها بمئات ملايين الدولارات للوحدة الواحدة، فيما تدخل أخرى ضمن صفقات تتجاوز قيمتها مليار دولار. والأهم من ذلك أن هذه المنظومات لا تُنتج بأعداد كبيرة، بل ضمن سلاسل تصنيع محدودة ومعقدة، ما يعني أن خسارة رادار واحد قد تفرض ضغطاً على شبكة كاملة، لا على الموقع المستهدف فقط.

وتزداد المشكلة حدة لأن تصنيع هذه الأنظمة أو إعادة نشر بدائل عنها يحتاج إلى وقت طويل قد يمتد لأشهر عديدة، بالنظر إلى تعقيد مكوناتها الإلكترونية، وارتباطها بشبكات قيادة وتحكم واستخبارات واسعة، فضلاً عن الحاجة إلى اختبارها ودمجها ميدانياً قبل أن تصبح جاهزة للعمل بكفاءة كاملة. لذلك، فإن أي ضرر يصيبها، حتى لو بدا جزئياً أو قابلاً للإصلاح، لا يقاس فقط بحجم الخسارة المادية، بل بما يخلّفه من فجوة زمنية وعملياتية في منظومة الإنذار المبكر، مما يعني تراجعاً في القدرة على الرصد المسبق، وإرباكاً في حسابات الردع، وهي كلفة استراتيجية قد تكون أفدح من الضربة نفسها.

واشنطن أمام مراجعة استراتيجية

سياسياً، تفتح هذه الضربات المجال أمام مراجعة أوسع للدور الأميركي في المنطقة. فهي تعيد التذكير بأن البنية الأمنية التي جرى تسويقها لسنوات بوصفها شبكة ردع متماسكة، ليست عصية على الاختراق، وأن الإيرانيين لم يعودوا يكتفون باحتواء الضغوط أو امتصاصها، بل انتقلوا إلى البحث المنهجي عن مكامن الخلل البنيوي في النظام الدفاعي نفسه وعلى الأرجح بمساعدة تقنية ومعلوماتية روسية، مما يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة توجيه استثماراتها نحو الاقمار الصناعية وأنظمة الاستشعار المتنقلة، بدلاً من الاستناد المفرط إلى الرادارات الأرضية الثابتة. وهذه في حد ذاتها إشارة إنذار استراتيجية تتجاوز حدود الضربة ونتائجها المباشرة، لتلامس جوهر توازن القوى العسكري في الشرق الأوسط، وفي أماكن أخرى حول العالم.