بين الإفراج عن السوريين وإهمال اللبنانيين.. دعوة لمعالجة شاملة وعادلة



منذ 23 ساعة

اعتصام لأهالي الموقوفين بسجن رومية
اعتصام لأهالي الموقوفين بسجن رومية

جاء قرار مجلس الوزراء اللبناني الذي صدر الجمعة الماضي بالموافقة على اتفاقية قضائية مع سوريا لتبادل المحكومين ليضع ملف السجون المزدحمة على طريق التنفيذ الفعلي.. وأوضح نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري أن هذه الاتفاقية التي ستوقع في بيروت الأسبوع المقبل تهدف لنقل حوالي 300 محكوم سوري ممن قضوا أكثر من عشر سنوات في السجون اللبنانية إلى بلادهم لتكملة عقوباتهم هناك.. وأشار متري في تصريحات صحفية إلى أن هؤلاء لن يخرجوا إلى الحرية فوراً بل سينقلون لتنفيذ ما تبقى من أحكامهم في خطوة تهدف لتخفيف الزحام خاصة وأن السوريين يمثلون ثلث عدد السجناء في لبنان بنحو 2250 سجيناً.

لكن هذا القرار واجه انتقادات واسعة وتساؤلات كثيرة مما استدعى تأكيداً بأن الدولة اللبنانية درست بدقة ملفات المحكومين بجرائم قتل عناصر من الجيش اللبناني.. وهذا المعيار هو الذي يفسر اختيار 300 اسم فقط حيث خضعت العملية لتدقيق شديد لاستبعاد أي شخص تورط في دماء العسكريين ولتجنب اعتراضات أهالي شهداء الجيش أو الرأي العام.. وفي هذا السياق برزت معايير أخرى شملت محكومين كانت تهمتهم الانتماء لتنظيمات لم تعد مصنفة اليوم كإرهابية وهي ملفات ترتبط بظروف الثورة السورية مما يعطي عملية التسليم أبعاداً سياسية تتجاوز مجرد الإجراء الجنائي.

انفصال السلطة عن الواقع وأرقام الموت في السجون
وفي المقابل يواجه هذا المسار قراءة حقوقية قوية عبر عنها المحامي محمد صبلوح الذي اعتبر أن وزير العدل اللبناني يعيش في حالة انفصال تام عن واقع الناس وكأن السلطة السياسية لا تشعر بالأوجاع والمعاناة.. وكشف صبلوح عن أرقام مخيفة تعكس مأساة السجون حيث أكد تسجيل 46 حالة وفاة داخل السجون في عام 2025 و6 حالات وفاة أخرى في بداية عام 2026.. وأشار بأسف إلى أنه رغم تقديمه دعاوى قضائية كثيرة لم يتجرأ أي مسؤول من رئاسة الحكومة إلى وزارة العدل على فتح تحقيق حقيقي لكشف أسباب وفاة هؤلاء السجناء.

انتقد صبلوح ما وصفه بالعدالة الانتقائية التي تمارسها الحكومة مستغرباً كيف تحركت السلطة لحل ملف السجناء السوريين بسرعة وبقرار بسيط فور تلقيها تهديدات من الدولة السورية الجديدة بينما يتم إهمال اللبنانيين المنسيين خلف القضبان في ظل قضاء ضعيف ومهترئ.. وتساءل صبلوح عما إذا كان يجب انتظار تهديد خارجي لكي يتحرك ضمير المسؤولين تجاه أرواح اللبنانيين التي تضيع داخل السجون.
ملفات المظلومية وطريق الإصلاح الشامل

واستشهد صبلوح بملف موقوفي فتح الإسلام كدليل على الخلل الكبير حيث سجن هؤلاء لمدة 14 عاماً بدون محاكمة ليتبين لاحقاً براءة 45 شخصاً منهم بعد أن ضاعت سنوات عمرهم وهي جريمة واضحة بحق الإنسانية.. كما أشار إلى وجود وثائق وأدلة تقنية في ملفات أخرى لم يلتفت إليها القضاء مما يؤكد أن الحل يجب أن يكون جذرياً.. وبناء على ذلك طرح صبلوح مطالب قانونية واضحة تشمل تحديد السنة السجنية بستة أشهر لمرة واحدة ووضع سقف زمني لعقوبة المؤبد والإعدام بالإضافة إلى إخلاء سبيل فوري لكل من قضى أكثر من سبع سنوات في السجن وترحيل اللاجئين لمعالجة الاكتظاظ بشكل شامل لكل السجناء بدون تمييز.

في النهاية يبقى الاتفاق ناقصاً من الناحية الحقوقية لأنه يقتصر على نقل المحكومين دون مراجعة الأحكام أو سماع صرخات اللبنانيين.. فالمطلوب اليوم هو نظرة إنسانية شاملة بعيداً عن الحسابات السياسية لكي لا تنتهي القضية بنقل سجين وترك رفيقه اللبناني مسجوناً بسبب ملفات يرفض القضاء التوسع في تحقيقها وأدلة براءة ما زالت تنتظر من يملك الشجاعة لقراءتها بإنصاف.
 كلادس صعب