في هذا السياق، أدان رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، “بأشد العبارات”، قيام الطائرات الإسرائيلية برشّ مبيدات سامة على الأراضي والبساتين في عدد من القرى الجنوبية الحدودية، طالبًا من وزارة الخارجية إعداد ملف موثّق بالتعاون مع وزارات الزراعة والبيئة والصحة العامة، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية والدبلوماسية اللازمة، وتقديم شكاوى إلى المحافل الدولية المختصّة لمواجهة هذا العدوان.
توازيًا، استنكرت وزارة الزراعة، إلى جانب مختصّين في الشأنين البيئي والصحي، أي استخدام جوي لمبيدات تحتوي على مادة الغلايفوسات، محذّرين من أخطارها المباشرة والتراكمية على صحة السكان، وسلامة التربة، والمياه الجوفية، والمحاصيل الزراعية. وأكّدوا أنّ رشّ هذه المواد فوق مناطق مأهولة يُشكّل مخالفة صريحة للمعايير البيئية والصحية المعتمدة دوليًا، ويعرّض الأمن الغذائي لمخاطر جسيمة.
ما هي الغلايفوسات ولماذا تُعدّ خطيرة؟
تُعدّ مادة الغلايفوسات (Glyphosate) من أكثر المبيدات استخدامًا عالميًا في مكافحة الأعشاب الضارّة، غير أنّ خطورتها تكمن في آثارها التراكمية. فقد صنّفتها الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية كمادة “يُحتمل أن تكون مُسرطِنة للبشر”، نظرًا لارتباطها المحتمل بزيادة مخاطر الإصابة بأنواع معيّنة من السرطان، فضلًا عن تأثيراتها السلبية على الجهاز العصبي، والتوازن الهرموني، والتنوّع البيولوجي.
كما تشير دراسات علمية إلى أنّ ترسّب الغلايفوسات في التربة والمياه الجوفية قد يؤدّي إلى تلوّث طويل الأمد يطال المزروعات والمواشي وسلسلة الغذاء ككل، ما يجعل استخدامها، أو رشّها جوًا، في مناطق مأهولة وساحاتها الزراعية خطرًا مضاعفًا يصعب احتواؤه أو معالجته على المدى القريب.
تحذير رسمي من وزارة الزراعة
مصدر مسؤول في وزارة الزراعة حذّر، من التداعيات الخطيرة المحتملة لأي استخدام جوي لمبيدات تحتوي على الغلايفوسات، مؤكّدًا أنّ رشّ هذه المواد بهذه الطريقة يُعدّ مخالفة صارخة للمعايير البيئية والصحية، وقد يُلحق أضرارًا جسيمة بالمحاصيل الزراعية والمياه والتربة، فضلًا عن تعريض السكان لمخاطر صحية مباشرة وغير مباشرة.
وأوضح المصدر أنّ الوزارة تتابع المعطيات المتوافرة، داعيًا إلى توخّي الحذر الشديد وعدم استهلاك أي منتجات زراعية من المناطق المتأثرة قبل استكمال الفحوصات اللازمة.
كما شدّد على أنّ الوزارة باشرت فورًا اتخاذ الإجراءات المعتمدة، وتمّ إعداد تقارير رسمية سترفع إلى وزارة الخارجية، التي تتولّى بدورها تحديد المسار المناسب، سواء لجهة تقديم شكاوى أو رفع تقارير إلى الأمم المتحدة.
تحذير طبي من مخاطر صحية جسيمة
في الإطار نفسه، حذّر مصدر طبي عبر "ليبانون ديبايت" من أنّ التعرّض لمبيدات تحتوي على مادة الغلايفوسات، ولا سيّما عند رشّها جوًا وفي محيط سكني أو زراعي، يُشكّل خطرًا صحيًا جدّيًا لا يمكن التقليل من شأنه.
وأوضح أنّ هذه المادة، عند ملامستها الجلد أو العينين أو الجهاز التنفسي، قد تتسبّب بتفاعلات فورية تشمل التهيّج والحساسية واضطرابات في التنفّس، فيما يزيد ابتلاعها عرضًا من مخاطر التسمّم المعوي والغثيان والإعياء العام.
وأضاف أنّ الخطورة الفعلية تكمن في التعرّض المتكرّر وغير المضبوط، إذ تشير الأبحاث إلى ارتباط هذه المادة باضطرابات هرمونية وتأثيرات سلبية على الجهازين العصبي والمناعي، فضلًا عن ارتفاع محتمل في معدّلات بعض أنواع السرطان.
ولفت إلى أنّ الرشّ الجوي يُفاقم هذه المخاطر بشكل كبير، نظرًا لسهولة انتقال المادة إلى المياه والمحاصيل الغذائية، ما يجعل آثارها الصحية والبيئية طويلة الأمد وصعبة الاحتواء.
مقاربة قانونية: جرائم بيئية موصوفة
في هذا السياق، استنكر المنسّق العام الوطني للتحالف اللبناني للحوكمة الرشيدة، مارون الخولي، ما وصفه بالاعتداءات الممنهجة التي تستهدف الأراضي الزراعية في عدد من القرى الجنوبية عبر رشّ مواد كيميائية سامة ومحظورة دوليًا، معتبرًا أنّ ما يجري لا يمكن إدراجه ضمن خانة الأضرار الجانبية، بل يُشكّل جرائم بيئية موصوفة وانتهاكًا خطيرًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني.
وفي مقاربة قانونية أوسع، شدّد الخولي على أنّ هذه الممارسات لا يمكن فصلها عن استخدام إسرائيل السابق للفسفور الأبيض خلال الحرب الأخيرة على جنوب لبنان، معتبرًا أنّ تكرار اللجوء إلى مواد سامة أو حارقة يُظهر نمطًا ممنهجًا من الاستهتار بحياة المدنيين وبالبيئة، في مخالفة واضحة للبروتوكولات الدولية ذات الصلة، ولا سيّما البروتوكول الثالث الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية.
ورأى أنّ هذا الاستخدام المتعمّد والمتكرّر لمواد ذات أثر مدمّر يرقى إلى مستوى جرائم حرب وفقًا للمادة الثامنة من نظام روما الأساسي، ما يفتح الباب أمام مساءلة دولية جدّية، خصوصًا في ظلّ توافر عنصرَي العلم المسبق بخطورة هذه المواد والقصد في استخدامها.
دعوة إلى تحرّك رسمي ودولي
ودعا الخولي وزارة الخارجية والمغتربين إلى الإسراع في توثيق هذه الاعتداءات تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية، والعمل على ضمّ ملف رشّ المبيدات إلى ملف استخدام الفسفور الأبيض ضمن إطار قانوني واحد متكامل، بدل الاكتفاء بتحرّكات دبلوماسية محدودة لا ترقى إلى حجم الانتهاكات.
كما دعا الأمم المتحدة إلى تفعيل آلياتها المختصّة، ولا سيّما آليات التحقيق المستقلة ولجان تقصّي الحقائق، تمهيدًا لإحالة هذه الجرائم البيئية إلى المحكمة الجنائية الدولية، مؤكّدًا أنّ الجرائم المرتكبة بحق البيئة والإنسان لا تسقط بالتقادم، وأنّ أي صمت دولي إزاءها يُعدّ تواطؤًا غير مباشر مع سياسة الإفلات من العقاب.
أمام هذا المشهد، تتجاوز قضية رشّ الغلايفوسات حدود الخطر البيئي الآني، لتتحوّل إلى اختبار حقيقي لجدّية المجتمع الدولي في حماية المدنيين والبيئة في زمن النزاعات. فبين أرضٍ ملوّثة، وصحّةٍ مهدّدة، وقانونٍ دولي يُنتهك على مرأى العالم، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتحرّك الضمير الدولي قبل أن تتحوّل هذه الجرائم الصامتة إلى كارثة لا يمكن احتواؤها؟

Social Plugin