مكتومو القيد في لبنان: ملف إنساني من دون أرقام دقيقة


ليسوا مكتومي القيد، بل مكتومو الحياة. في 25 شباط من كل عام، وفي اليوم الذي أُقرّ تاريخاً وطنياً للأطفال اللبنانيين المكتومي القيد، يُعاد فتح هذا الملف الإنساني الشائك. وهذا العام، عُقد مؤتمر صحافي في وزارة الإعلام جمع الوزير بول مرقص ورئيسة اللجنة الوطنية لمعالجة أوضاع الأطفال اللبنانيين المكتومي القيد أليس كيروز سليمان، في محاولة لإلقاء الضوء على القضية.
بعيداً من رمزية المناسبة، وبين التحذير من “آفة اجتماعية” قد تنفجر في أي يوم، وغياب الإحصاءات الرسمية، تبدو الصورة ضبابية إلى حدّ مقلق. من هنا يطرح الملف أسئلة أكثر إلحاحاً من أي احتفال: أين الأرقام الدقيقة؟ كم يبلغ عدد هؤلاء الأطفال فعلياً؟ وهل نحن أمام أزمة متفاقمة أو أمام ظاهرة تتراجع؟

أولاً، لا بد من التوقف عند معنى أن يكون الطفل “مكتوم القيد”. هو الذي لم يُسجَّل في دوائر النفوس ضمن المهَل القانونية، وبقي بلا أوراق تُثبت وجوده الرسمي. عملياً، هو لبناني وُلد ونشأ في لبنان، لكنه محروم الاعتراف القانوني بهويته، ما ينعكس مباشرة على حقه في التعليم والعمل والرعاية الصحية وسائر الضمانات الاجتماعية. وترتكز المطالبة بمعالجة هذه الظاهرة على المادة السابعة من اتفاقية حقوق الطفل والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، اللتين تنصان على حق كل طفل في أن يُسجَّل فور ولادته وأن يكون له اسم وجنسية.

غير أنّ المفارقة تكمن في أن النقاش العام للظاهرة لا يستند إلى قاعدة بيانات واضحة. ففي حديث خاص إلى “النهار” تشير رئيسة اللجنة أليس كيروز سليمان إلى رقم يُتداول منذ عام 2015، صادر عن المديرية العامة للأمن العام، يُقدّر عدد مكتومي القيد بنحو 80 ألفاً. إلا أنّ هذا الرقم لم يُحدَّث منذ أكثر من عقد، فيما يفترض أن تصدر الإحصاءات الرسمية عن إدارة الإحصاء المركزي.

وتؤكّد أنّ اجتماعات عُقدت مع إدارة الإحصاء المركزي التي وعدت بأخذ القضية بجدية، فضلاً عن الاستعانة بمخاتير ضمن اللجنة لتقدير الأعداد التقريبية.

أما في ما يتعلّق بالحلول، فتشدّد على أنّ أي معالجة شاملة أو قرار تجنيس يحتاج إلى قرار سياسي يعود إلى الدولة.

في المقابل، يقدّم الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين عبر “النهار”، قراءة مختلفة للأرقام المتداولة، معتبراً أنّ رقم الـ80 ألفاً مبالغ فيه، وأن العدد الفعلي لا يتجاوز 30 إلى 35 ألفاً. ويشير إلى أنّ قسماً كبيراً ممّن أُدرجوا سابقاً ضمن هذه الفئة غادروا البلاد، أو تبيّن أنّ بعضهم ليسوا لبنانيين بل من جنسيات أخرى.

ويضيف: “الظاهرة تراجعت مقارنة بالماضي، لكنها لا تزال متركزة في البيئات الأكثر فقراً، ولا سيما في الشمال والهرمل، حيث يؤدي أحياناً عدم تسجيل الزواج إلى ولادة أطفال مكتومي القيد”.
ويلفت إلى أنّ معالجة الملف تتطلّب مسارات قضائية طويلة، “وفي ظلّ الظروف الراهنة لا يبدو أن أحداً مستعد لفتح هذا الملف على مصراعيه”.

وأعلنت اللجنة خلال المؤتمر عن خطوات تسعى إلى تنفيذها، من بينها إعفاء دعاوى النفوس العائدة إلى مكتومي القيد من الرسوم، وتأمين المعونة القضائية، والعمل على آلية تنسيق بين وزارات الداخلية والصحة والمستشفيات والمخاتير للتبليغ عن الولادات، إضافة إلى حملات توعية في المناطق، والسعي إلى خفض كلفة فحص الـDNA أو إلغائها، وتنظيم ورش عمل مع قضاة الأحداث.

وفي السياق، تقدّمت باقتراحات مراجعة قانون قيد وثائق الأحوال الشخصية الصادر في ٧ كانون الأول سنة ١٩٥١ من أجل استحداث قوانين جديدة تخدم أهداف اللجنة.

غير أنّ كل ذلك يبقى حتى الساعة في إطار النيات والإعلانات. فحملات التوعية والشعارات الإنسانية تصطدم بواقع إداري مترهّل، فيما الحقوق المكرّسة في النصوص لا تجد ترجمتها العملية. والحقيقة، أنّ الأرقام غير محسومة، ولا قاعدة بيانات رسمية شفافة يمكن الركون إليها. وبين مؤتمر وآخر، يظلّ السؤال: كيف يمكن معالجة أزمة لا يُعرف حجمها بدقّة، ولا تُحدَّد لها بعد آليات تنفيذية ملموسة تتجاوز حدود الكلام؟

النهار