عبد الله المصري...حين تعزف الذاكرة اللبنانية هويتها

Achrafieh News 📰

بيروت: ندى جمال

في أمسيةٍ تجاوزت حدود الحفل الموسيقي لتلامس عمق الوجدان، ترددت «أصداء الذاكرة» في رحاب الكنيسة الأرمنية الإنجيلية الأولى في بيروت، حيث قدّمت الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق–عربية، بقيادة المايسترو الدكتور عبد الله المصري، قراءة وجدانية متجددة للهوية الموسيقية اللبنانية، بدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى المؤلفة الموسيقية هبة القوّاس، وبمشاركة الفنانة هدى جمال وكورال القسم الشرقي في الكونسرفتوار، وسط حضور نخبة من الوجوه الفنية والثقافية والإعلامية ومحبي الموسيقى.
افتتحت الأمسية وقدّمت فقراتها المستشارة الإعلامية في المعهد الوطني العالي للموسيقى ماجدة داغر، التي رحّبت بالحضور باسم رئيسة المعهد، ناقلةً تحياتها وتقديرها الكبير للمايسترو عبد الله المصري، ومشيدةً بمكانته الفنية وبأعماله التأليفية ورؤيته الموسيقية التحديثية. وأعلنت داغر، في كلمتها، أن المعهد سيستضيف المايسترو المصري في حفلات مقبلة لقيادة الأوركسترا، كما سيكون ضيف الفلهارمونية الوطنية التي ستؤدي مؤلفاته، تأكيداً على الثقة بمشروعه الموسيقي ودوره في تطوير المشهد الأوركسترالي اللبناني.
وفي تقديمها للمايسترو، توقفت داغر عند مسيرته الغنية، بوصفه أحد أبرز المؤلفين اللبنانيين المعاصرين، صاحب الأعمال السمفونية والكونشرتوهات والقصيد السمفوني، والحائز أرفع الأوسمة الأكاديمية، مؤكدة أن لغته الموسيقية تتميز بتجديدٍ سمعي نابع من صميم المزاج العربي اللبناني، بعيداً عن التجريب السطحي، وقريباً من التوافق السمعي العميق.
أما موسيقياً، فقد جاءت الأمسية كرحلة درامية في الذاكرة اللبنانية، أعاد خلالها المايسترو المصري صياغة الأعمال الرحبانية والزيادية في قوالب أوركسترالية حديثة، حافظت على روحها الأصلية ومنحتها أبعاداً جديدة. تمددت الأغنية القصيرة إلى لوحات صوتية متعددة الأصوات، حيث تآلفت البوليفونية والهارموني مع الروح الشرقية، في توازن نادر بين الأكاديمية والوجدان الشعبي.
وأثبتت الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق–عربية قدرتها على بلوغ آفاق موسيقية أكثر عمقاً، عندما تتوافر لها كتابة أوركسترالية على هذا المستوى، فيما قدّم كورال القسم الشرقي حضوراً منضبطاً ومتماسكاً داخل القالب السيمفوني.
وبصوتها الدافئ وحساسيتها التعبيرية العالية، أضفت الفنانة هدى جمال بعداً إنسانياً على الأمسية، فغنّت بإحساسٍ طربي أصيل، متحكمة بالديناميكيات الصوتية، ومبتعدة عن الاستعراض، لتصل مباشرة إلى جوهر النص واللحن.
هكذا، لم تكن «أصداء الذاكرة» مجرد استعادة لماضٍ جميل، بل تأسيساً لذاكرة جديدة تؤكد أن الموسيقى اللبنانية قادرة على التجدد من داخلها، وأن المعهد الوطني العالي للموسيقى يواصل ترسيخ موقعه كحارسٍ للجمال، وجسرٍ حيّ بين التراث والحداثة















.