105 آيلة للسقوط و1000 تحتاج لترميم: عشرات ملايين الدولارات تمنع تكرار الكارثة في طرابلس



ليس من المبالغة القول أن إنهيار المباني السكنية في مدينة طرابلس، الواحد تلو الآخر وفي فترات زمنية مُتقاربة، يحوّل الأبنية غير الصالحة للسكن من مشكلة محصورة بحوادث مُتفرقة وبمسؤولية محددة (على السكان والبلديات)، إلى أزمة وطنية شاملة تمتد على كامل الأراضي اللبنانية. علما أن المباني المُهددة بالإنهيار ليست حكرا على طرابلس الفيحاء فقط، بل تمتد إلى العاصمة بيروت والقرى النائية (مثال المبنى المُهدد في بلدة القلمون الشمالية)، لكن عددها الأكبر موجود في طرابلس حيث تتقاطع هذه الأزمة مع قانون الإيجارات، ولا سيما الإيجارات القديمة، التي تشكّل نسبة كبيرة من الوحدات السكنية المتضررة، والقانون اللبناني غالباً يحمّل أصحاب المباني تكاليف الترميم، لكن الكثير منهم لا يملكون القدرة على الدفع بسبب الحالة الاقتصادية.

كما تتشابك هذه الأزمة مع غياب الرقابة الفعلية على أعمال البناء، حيث يشرح الوزير السابق ناصر ياسين(تولى مهمة التنسيق في لجنة الطوارئ الوزارية التي تم إنشاؤها خلال العدوان الإسرائيلي الأخير)، ل"ليبانون ديبايت"، أنه "في طرابلس هناك ثلاث مستويات في ملف الأبنية المُتصدعة يجب التعامل معها، الأول يتعلق بالترميم والتأهيل أي الشق الهندسي المُرتبط بسلامة المباني المتصدعة والتي هي بالمئات. علما أن سبب الوصول الى هذه الحالة من التصدّع عديدة منها، مُخالفات في البناء أُرتكبت في فترة الحرب أو رشاوى في فترة مواسم الإنتخابات لجهة عدم التقيد في المواصفات، وهذه المسؤولية تقع على البلديات وإتحاد البلديات ونقابة المهندسين والتنظيم المدني. مع الإشارة إلى أن هذه المسؤولية ليس من السهل تطبيقها في بلديات تعاني من عجز مالي، ولا تملك فرق هندسية وبات لديها تراكم هائل من المشاكل وهنا دور الحكومة المركزية في تدعيم المباني المُهددة بالسقوط".

يشدد ياسين على أن "الشق الترميم والتأهيل يجب أن تدعمه الحكومة المركزية (هيئة العليا للإغاثة والوزارات ووزارة الداخلية)، لأن أصحاب هذه المباني لا يملكون القدرة المادية لتدعيم منازلهم، أما المستوى الثالث فهو الإغاثة من خلال تأمين مساكن بديلة، ما يضع البلديات أما تحدي تأمين التمويل اللازم لذلك، من دون أن ننسى دور هيئة الإغاثة ووزارة الشؤون الإجتماعية لدعم أصحاب هذه المباني وتأمين الإيواء لهم، خصوصا أن عددهم لا يتجاوز500 عائلة"، جازما بأن "الدعم ممكن لأن عددهم قليل مُقارنة مع النازحين من الجنوب بعد العدوان الإسرائيلي، الذين بلغ عددهم 120 ألف عائلة نازحة تم إيوائهم من قبل الأحزاب في المنطقة، بينما هناك عشرات العائلات في طرابلس التي تحتاج إلى تأمين إيواء، من خلال صندوق دعم أو لجنة طوارئ أو خطة معينة عبر هيئة الإغاثة أو وزارة الشؤون الإجتماعية، لأن هؤلاء الناس فقراء وإلا ما كانوا ليقبلوا العيش في مباني آيلة للسقوط لولا وضعهم الإجتماعي الصعب".

أموال الصندوق البلدي هي الحل؟

لكن بالرغم من الواقع الصعب الذي يعيشه سكان هذه الأبنية، وقفت الحكومات المُتعاقبة أمام هذا الملف موقف المُتفرج تاركةً سلامتهم رهينة نصوص قانونية ناقصة ومجمدة التنفيذ. علما أنه بحسب تقارير حقوقية قدّرت بين عامي (2023–2024)، أن هناك بين 800 و1000 مبنى تم تصنيفها كمهددة بسبب الإهمال، في حين المسؤولين في بلدية طرابلس يشيرون إلى أن هناك بين 600 و1000مبنى معرض للخطر، من بينها حوالي 105 في حالة خطيرة جدًا.

مؤخرا تعهدت حكومة الرئيس نواف سلام، بعد إنهيار المبنى الاول في منطقة القبة في طرابلس منذ أسبوعين تقريبا، بتوفير الأموال اللازمة لتقوية المباني القديمة وإعداد خطة لبناء وحدات سكنية جديدة( 700–1000 وحدة) لإيواء العائلات المُتضررة من المباني المهددة، وتشكيل خلايا أزمة للعمل على ملفات الأبنية المُتصدعة، تشمل تقييمات هندسية والبحث عن حلول تمويلية مع جهات الدولة، فهل سيصل هذا الملف إلى خواتيمه المرجوة؟، لا يمكن الجزم بذلك في بلد مثل لبنان، حيث تغيب الخطط الرسمية لترشيد إنقاق المال العام لصالح المواطنين وتحقيق التنمية في المجتمعات الأكثر فقرا، إذ تُظهر أرقام "مبادرة غربال"، أن طرابلس حصلت على نحو 234.6 مليون دولار من عائدات الصندوق البلدي المستقل بين عامي 1993 و2022، أي بمعدّل 8 ملايين دولار سنوياً، أو نحو 33 دولاراً سنوياً لكل مقيم، كان يُفترض أن تُخصّص لتحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية. غير أن هذه الموارد، المحدودة أصلاً، إصطدمت بتخصيص غالبيتها لدفع عقود جمع النفايات التي كانت تؤول إلى شركات خاصة، فضلاً عن إرتباطها بواقع بنيوي يتّسم بتأخير مُزمن في التحويلات وغياب الشفافية، ما أدّى إلى إفراغها من دورها التنموي.

الكلفة عشرات ملايين الدولارات

كم تبلغ كلفة ترميم هذه المباني؟ ليس هناك رقم رسمي موحّد مُعتمد حتى الآن، عن الكلفة الإجمالية لترميم المباني المهدّدة بالإنهيار وإيواء السكان المتضرّرين في مدينة طرابلس، لكن يمكن تقديم تقدير ذلك بناءا على دراسات ميدانية بشكل تقريبي، أولها في حادثة محددة لأحد المباني في طرابلس، أشار السكان إلى أن ترميم المبنى الواحد قد يحتاج إلى أكثر من 30,000 دولار فقط (دون إحتساب أي دعم حكومي أو مقاولات إضافية). من ذلك، لو إفترضنا ترميمًا شاملًا لـ100 مبنى متضرر في طرابلس بتكلفة متوسطة 30,000-50,000 دولار لكل مبنى فإن المجموع قد يتراوح بين 3,000,000 – 5,000,000 دولار أمريكي تقريبًا، أما تكلفة إيواء السكان المتضررين لمدة سنة مثلاً قد تكون (حسب الأسعار الحالية للإيجار في شمال لبنان) عدة آلاف دولارات لكل أسرة سنويًا (وهذا الرقم يعتمد على سعر الإيجار الحقيقي أو الدعم المتاح من المنظمات).