هذا المرفأ بدأ يلعب دوره المحوري منذ عام 2022، تاريخ فرض العقوبات الدولية على النفط الروسي. وتشير تقارير استقصائية لصحف عالمية إلى أن نحو 95% من واردات هذا المرفأ هي فيول أويل روسي يُعاد تدويره قانونيًا عبر التلاعب بشهادات المنشأ، بواسطة شركة Alkagesta الأذربيجانية، التي أُوقف صاحبها منذ أشهر بتهمة تزوير المنشأ الأذري لتبييض الفيول الروسي.
وفي لبنان، سبق للمدعي العام المالي، بناءً على إخبار المهندس فوزي مشلب، أن أوقف نحو 12 مليون دولار من مستحقات وكفالات مصرفية عائدة للشركة نفسها، إلى حين انتهاء التحقيقات، ما يعكس أن الشبهات حول هذا المسار ليست جديدة، بل تتكرر وفق النمط ذاته مع تغيّر أسماء الناقلات وتبدل التغطيات السياسية والإدارية.
وفي موازاة ذلك، وبعد التدقيق في خلفيات الشركة المورِّدة IPLOM International SA وممثلها وشريكها في لبنان، تتهاوى ادعاءات وزارة الطاقة وحزب القوات اللبنانية حول “الاستهداف السياسي”. فخليل خوري هو ابن شقيق وزير العدل السابق هنري خوري، وقد شوهد الأخير قبل أيام يتناول الغداء علنًا مع خليل خوري ومحاميه في أحد المجمعات التجارية في الضبية، في مشهد يطرح بحد ذاته علامات استفهام حول شبكة العلاقات التي تحيط بالملف. كما يدّعي خوري أنه كان مستشارًا لوزير الطاقة السابق وليد فياض، ما يجعله قانونًا في حالة تضارب مصالح تمنعه من المشاركة في أي مناقصة لمدة سنتين على الأقل، ومع ذلك ما زال خوري يهيمن على غالبية المناقصات، وسط شبهات جدية حول علاقات جديدة مع الفريق الحاكم في وزارة الطاقة الحالية.
أما في ما يتعلق بالناقلة CAN KA تحديدًا، فقد اشترت IPLOM هذه الناقلة من شركة Alkagesta، وحُمّلت في مرفأ Opet Marmara. وفور وصولها إلى لبنان، فُتح تحقيق بإشارة من المدعي العام المالي القاضي ماهر شعيتو في شقين متلازمين، الأول يتعلق بتزوير المنشأ والثاني يرتبط بالغش في النوعية، في ملف بات يتجاوز كونه مجرد خلاف إداري إلى قضية تمس مباشرة المال العام والسيادة المالية للدولة اللبنانية.
في شق تزوير المنشأ، ادعت الشركة أن الحمولة مؤلفة من 27 ألف طن من كازاخستان ونحو 7 آلاف طن من تركمنستان، لكن وبعد مرور أكثر من عشرة أيام، عجزت الشركة عن إبراز أي مستند يثبت صحة هذا الادعاء. والفضيحة الكبرى تمثلت في أن ما قُدّم ليس سوى مجموعة شهادات منشأ قديمة تعود لأشهر سابقة، تُظهر فقط أن شركة Alkagesta استوردت عبر القطارات نحو 14 ألف طن من الفيول من كازاخستان، فيما لا يقدم ذلك أي تفسير منطقي للكميات التي دخلت إلى لبنان تحت العنوان ذاته.
وفي المقابل، فإن الشركة نفسها استوردت إلى لبنان وحده خلال عام 2025 ما يزيد عن 140 ألف طن، زعمت – عبر شهادات منشأ مزوّرة – أن مصدرها كازاخستان، ما يعزز الاشتباه بوجود نمط ثابت في تزوير المنشأ لا يرتبط بشحنة واحدة، بل بمنظومة توريد كاملة. وأظهرت التحقيقات، عبر برامج تتبع الملاحة، أن جميع الناقلات التي وردت إلى لبنان من قبل هذه الشركة اتبعت النمط ذاته، إذ تبقى لأيام قبالة مرفأ Opet Marmara، ثم تدخل في التوقيت نفسه الذي ترسو فيه ناقلات محمّلة بالفيول الروسي، وترسو بمحاذاتها، ما يؤكد حصول عمليات نقل متوازية ومموّهة، هدفها تبديل المصدر الحقيقي للحمولة وإعادة تقديمها كأنها واردة من دول أخرى.
وفي شق الغش في النوعية، تبيّن عبر فحص سري أجرته النيابة العامة المالية وأرسل إلى الخارج بطريقة سرية من دون أي علم لشركات المراقبة ولا لأي موظف في وزارة الطاقة، وأُجري الفحص في أحد المختبرات المعتمدة من وزارة الطاقة، أن الفيول أويل هو من نوع High Sulfur Fuel Oil (HSFO)، خلافًا لدفتر الشروط الذي يشترط أن تكون نسبة الكبريت أقل من 1% أي 0.999 كحد أقصى.
ويُصنّف الفيول عالميًا وفق نسبة الكبريت، إذ إن أي نسبة من 1% فما فوق تعني أنه من نوع HSFO الأرخص سعرًا، بينما أي نسبة أقل من 0.999 تعني أنه من نوع LSFO الأعلى سعرًا. وتكمن الفضيحة في أن نتائج مختبرات مرفأ التحميل دوّنت نسبة الكبريت 1%، أي ضمن فئة HSFO، ما كان يستوجب رفض الناقلة فورًا. لكن عند التفريغ، صدرت نتيجة مختبرات Bureau Veritas دبي بقيمة 0.999، وهذا الفارق الدقيق بين الرقمين، في حد ذاته، يشكل مؤشرًا قويًا على التلاعب المتعمد لتغيير التصنيف التجاري للفيول، بما يفتح الباب أمام جني أرباح غير مشروعة على حساب الدولة اللبنانية.
أمام هذه المعطيات، تراجعت وزارة الطاقة عن إذن التفريغ الذي كانت قد منحته للناقلة، وجرى وفق دفتر الشروط سحب عينة جديدة لإعادة التحليل. غير أن الطريقة المعتمدة تسمح مسبقًا بمعرفة المختبر الذي ستُرسل إليه العينة، ما يفتح الباب أمام المورد للتأثير على النتيجة عبر الإغراءات المالية، وهو ما يتوقعه الخبراء في تجارة الفيول أويل، خصوصًا في ظل حجم الأرباح التي يمكن تحقيقها بمجرد تعديل تصنيف الشحنة.
وقد ظهر مؤشر بالغ الخطورة حين رفضت شركة SGS العالمية إجراء فحص العينة الأخيرة، في سابقة لافتة، ما يوحي بوجود ضغوط مورست عليها للتلاعب بالنتيجة، فاختارت الانسحاب بدل التورط. ويعلم السوق العالمي أن الفيول الروسي تحديدًا تتراوح نسبة الكبريت فيه بين 1% و1.09%، ما يجعل أي نتيجة دون هذا الحد موضع ريبة، ويضع كامل المسار تحت شبهة التلاعب الممنهج.
جمركيًا، بات ثابتًا أن الشركة لم تستطع إثبات منشأ الحمولة، وهنا يبرز التحدي الحقيقي الذي سيتوقف عليه مصير الملف: هل ستلتزم إدارة الجمارك الجديدة والمجلس الأعلى للجمارك، المشكَّل حديثًا، بتطبيق القانون بصرامة، وفرض الغرامات المشددة على الشركة المستوردة كما حصل سابقًا في ملف ناقلة HAWK III، سيما ما يعرف عن مدى مناقيية رئيسه واعضاءه؟ أم أن هذا الملف بدوره سيُدفن تحت ضغط المصالح السياسية، رغم خطورته المالية والقانونية والسيادية على الدولة اللبنانية؟
والأهم ما موقف مصرف لبنان والمصارف المراسلة، حيث ينص دفتر الشروط على بند واضح أن الفيول أويل الروسي المنشأ ممنوع، وأن مصرف لبنان والمصارف المراسلة لن يدفعوا ثمن الفيول أويل الروسي، ما يجعل هذا الملف اختبارًا مباشرًا لمدى التزام الدولة ومؤسساتها المالية بما تضعه من شروط، أو مدى قابليتها للالتفاف عليها تحت ضغط المصالح والصفقات.
قضية CAN KA لم تعد مجرد شبهة، إنها نموذج كامل لمنظومة تزوير ممنهجة، تختبر اليوم صدقية الدولة اللبنانية في حماية مالها العام وسيادتها، وتضع السلطات أمام مسؤولية واضحة: إما فرض القانون وكشف الشبكات التي تتحكم بقطاع الفيول، وإما ترك هذه الفضيحة تمر كما مرّت فضائح كثيرة سابقًا تحت عناوين التسويات والطمس المتعمد.

Social Plugin