في خطوة غير معتادة حتى بمعايير بيئة العمل اليابانية المعروفة بصرامتها، قررت شركة يابانية إدخال مفهوم جديد كليًا إلى نظام الموارد البشرية: إجازة مدفوعة الأجر مخصصة للبكاء. الفكرة، التي قد تبدو غريبة أو حتى ساخرة للوهلة الأولى، انطلقت من قناعة إدارية بأن المشاعر المكبوتة ليست علامة قوة، بل عبء نفسي ينعكس سلبًا على التركيز والإنتاجية والعلاقات داخل مكان العمل.
الشركة لاحظت، من خلال استبيانات داخلية ومتابعة سلوك الموظفين، أن كثيرين يعانون من ضغط نفسي شديد، لكنهم نادرًا ما يعبّرون عنه. الثقافة السائدة تشجع على التحمل والصمت وضبط النفس، إلى درجة أن التعبير عن الحزن أو الانكسار يُنظر إليه أحيانًا كضعف مهني. ومع تراكم الضغوط، بدأ الإرهاق يظهر في شكل أخطاء متكررة، غياب غير مبرر، أو انسحاب نفسي صامت من العمل.
من هنا وُلدت الفكرة: إذا كان البكاء فعلًا إنسانيًا طبيعيًا، فلماذا لا يُعترف به رسميًا كوسيلة لتفريغ التوتر؟ الإجازة لا تُمنح لأي سبب عشوائي، بل تُستخدم عندما يشعر الموظف أنه وصل إلى حالة نفسية لا تسمح له بالاستمرار في العمل بكفاءة. يمكنه أن يطلب يومًا أو حتى ساعات محددة، دون الحاجة إلى شرح مطوّل أو تبرير محرج.
الأمر لا يقتصر على الإجازة فقط. الشركة خصصت أيضًا غرف هادئة داخل مقرها، مزودة بإضاءة خافتة وموسيقى مختارة بعناية وأفلام قصيرة أو مقاطع مؤثرة، الهدف منها مساعدة الشخص على البكاء بشكل واعٍ وآمن، ثم العودة إلى عمله بحالة ذهنية أكثر صفاءً. الفكرة ليست إثارة الحزن، بل السماح له بالخروج بدل أن يبقى محبوسًا.
النتائج، بحسب إدارة الشركة، كانت لافتة. بعد فترة من التطبيق، انخفضت حالات الاحتراق الوظيفي، وتحسّن التواصل بين الموظفين، وأصبح الحديث عن الضغط النفسي أقل وصمًا. بعض الموظفين قالوا إن مجرد معرفة أن البكاء “مسموح” خفف عنهم العبء، حتى إنهم لم يستخدموا الإجازة فعليًا. الإحساس بالاعتراف كان بحد ذاته مريحًا.
بالطبع، لم تسلم المبادرة من الانتقادات. هناك من اعتبرها تسويقًا عاطفيًا أو محاولة لتجميل بيئة عمل قاسية بدل تغيير أسباب الضغط الحقيقية. آخرون رأوا أنها قد تُستغل أو تتحول إلى أداة للتمييز غير المباشر. لكن الشركة ردّت بأن الخطوة ليست حلًا شاملًا، بل جزء من مقاربة أوسع تشمل تقليل ساعات العمل وتحسين أسلوب الإدارة.
الأهم في هذه التجربة أنها كسرت تابو عميق الجذور: فكرة أن المشاعر يجب أن تبقى خارج مكان العمل. في عالم يتحدث كثيرًا عن الصحة النفسية، لكن نادرًا ما يترجم ذلك إلى سياسات ملموسة، جاءت هذه الإجازة لتقول شيئًا بسيطًا ومزعجًا في آن واحد: أحيانًا، أفضل ما يمكن أن تقدمه لموظفك ليس تدريبًا جديدًا ولا حافزًا ماليًا، بل مساحة آمنة ليبكي… ثم يكمل

Social Plugin