تقارير مجلس الأمن الدولي تؤكد أن طالبان ما تزال تحتفظ بهيكل قيادة مركزي، لكن في الوقت نفسه تشير إلى استمرار توترات وانقسامات داخلية على أسس جغرافية وفصائلية وشخصية، لا على أساس سياسات معلنة فقط.
تحالف النصر
لم يكون انتصار طالبان تعبيراً عن رؤية سياسية متماسكة، بل نتيجة تلاقي محاور نافذة داخل الحركة. فمن جهة، برزت شبكة "حقاني" بوصفها قوة عسكرية منظمة تشكلت في شرق أفغانستان، وارتبط اسمها، وفق تقارير أممية وغربية متعددة، بعلاقات مع مؤسسات أمنية باكستانية، ما منحها وزناً أمنياً وتنظيمياً مؤثراً. ومن جهة أخرى، تبلور محور قندهار المرتبط بالقيادة الدينية والتاريخية للحركة، وعلى رأسه الزعيم الأعلى هبة الله أخوندزادا، الذي استمد شرعيته من موقعه الديني ومن دوره المركزي في البنية العقائدية لطالبان.
عند إعلان الحكومة المؤقتة في أيلول/سبتمبر 2021، سعت الحركة إلى عكس هذا التوازن داخل هياكل الحكم، فجرى تعيين محمد حسن أخوند رئيساً للوزراء، وعبد الغني برادر نائباً له، فيما أسندت وزارة الدفاع إلى ملا يعقوب عمر، وتولت شبكة حقاني وزارة الداخلية عبر سراج الدين حقاني، غير أن هذا التوزيع لم ينه التنافس الكامن بين هذه المحاور، بقدر ما نظمه مؤقتاً ضمن صيغة تقاسم نفوذ، عكست حسابات القوة داخل الحركة أكثر مما عبرت عن شراكة سياسية متجانسة أو مشروع حكم موحد.
التشدد الاجتماعي كسياسة حكم
منذ منتصف عام 2022، اتجهت القيادة العليا الأفغانية إلى فرض حزمة واسعة من القرارات الاجتماعية المتشددة، شملت إقصاء النساء عن التعليم والعمل في الحيز العام وتشديد الضوابط الأخلاقية. صدرت هذه السياسات في معظمها من الدائرة الضيقة المحيطة بالزعيم الأعلى هبة الله أخوندزادا، ما عزز مركزية السلطة ورسخ انطباعاً بأن الحركة تدار من قندهار أكثر مما تدار عبر مؤسسات الدولة في كابول.
ورغم انسجام هذه القرارات مع رؤية التيار الأكثر تشدداً، فإنها أثارت قلقاً مكتوماً داخل أوساط إدارية وأمنية تخشى أن يؤدي التشدد إلى شلل مؤسسات الحكم وتعميق العزلة الدولية وتفاقم الأزمة الاقتصادية.
قانون الأمر بالمعروف لحظة كاشفة
وشكل إقرار لوائح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في صيف 2024 محطة مفصلية، فالخطوة لم تكن مجرد تشديد إضافي، بل محاولة لتقنين رؤية أخلاقية صارمة بوصفها سياسة دولة أعقبتها دعوات متكررة إلى الوحدة وتجنب الانقسام، صدرت عن القيادة العليا نفسها، في ما بدا إقراراً بحساسية المرحلة وبأن التماسك الداخلي لم يعد مضموناً تلقائياً. هذه الدعوات لم تعكس انقساماً معلناً، لكنها كشفت فجوة متنامية بين من يرى في التشدد ضمانة لهوية الحركة، ومن يعتبر أن الاستمرار فيه يهدد قدرتها على الحكم.
لم تبدأ الإشارات العلنية إلى الخلاف داخل طالبان في عام 2025، بل سبقتها مواقف مبكرة، فقد نقل عن سراج الدين حقاني منذ عام 2023 تحذير من احتكار السلطة والتنبيه إلى أن تركيز القرار في دائرة ضيقة قد يخلق فجوة مع المجتمع، كما نسب إلى ملا يعقوب في العام نفسه حديث عن ضرورة تحمّل المسؤولية وعدم الطاعة العمياء، في خطاب وجهه إلى خريجين عسكريين.
وفي كانون الثاني/يناير 2025، بثت وسائل إعلام عالمية، مضمون تسجيل منسوب لأخوندزادا في قندهار، يحذر فيه من أن الصراعات الداخلية قد تهدد مستقبل الإمارة الإسلامية، داعياً إلى حل الخلافات داخل الأطر المغلقة. أهمية هذا التسجيل لا تكمن في كونه اعترافاً بالضعف، بل في إقراره بوجود توترات تستوجب الاحتواء.
هل تضعف قبضة أخوندزادا؟
المعطيات المتاحة لا تدعم القول بانهيار سيطرة الملا أخوندزادا على الحركة، لكنها تشير بوضوح إلى نمط حكم شديد المركزية يواجه صعوبة متزايدة في الحفاظ على التوافق الداخلي الذي ميز طالبان، فهذه المركزية القائمة على الشرعية الدينية، باتت تصطدم بواقع حكم معقد ومتغير. ويعود هذا التوتر إلى مجموعة عوامل متداخلة، في مقدمتها التشدد الأيديولوجي الذي يقيد هامش المناورة السياسية، ويحد من قدرة القيادة على التكيف مع الضغوط الداخلية والخارجية.
إلى جانب ذلك، تشهد الحركة تغييراً واضحاً في بنيتها القيادية، مع صعود جيل من القادة الميدانيين الأصغر سناً إلى مواقع تنفيذية وعسكرية مؤثرة. هذا الجيل، الذي تشكل وعيه في سياق الحرب الطويلة ثم وجد نفسه فجأة أمام مسؤوليات الحكم، يظهر حساسية أكبر تجاه القرارات اليومية، وأقل استعداداً للقبول بالطاعة المطلقة التي كانت سائدة في السابق. يضاف إلى هذه العوامل ضغط اقتصادي ودولي متواصل، يفاقم هشاشة الوضع الداخلي، بحيث تتحول خيارات أيديولوجية إلى أعباء مباشرة على إدارة الدولة، وعلى علاقة السلطة بالمجتمع، وعلى فرص تخفيف العزلة الخارجية.
إذن، الانقسامات داخل طالبان ليست وهماً، لكنها أيضاً ليست تفككاً وشيكاً. ما نراه اليوم هو احتكاك بين مركزية دينية صارمة ومتطلبات حكم عملي لدولة منهكة. مستقبل تماسك الحركة سيتوقف على قدرتها على إدارة هذا التوتر، لا على إنكاره ولا على الانزلاق إلى صراع مفتوح، وفي هذا السياق، يبقى أخوندزادا لاعباً حاسماً، لكن قبضته لم تعد مطلقة، بل أصبحت محكومة بحسابات الواقع السياسي والاقتصادي الأفغاني.

Social Plugin