▪️ إنه تقليد راق ومعبّر حيال جوهر العلاقات الدولية وأهدافها الإنسانية، أن نلتقي مطلع كل عام. فنتبادل التمنيات بأيام أفضل لشعوبنا وعالمنا. وتكون مناسبة لنؤكد جميعاً انتماءنا إلى قرية كونية واحدة متضامنة. يصيبنا كلنا ما يصيب بعضها.
▪️بناء على هذا الجوهر الإنساني للسياسة والدبلوماسية، أتوجه بالشكر الصادق، لأشخاصكم، ولبلدانكم وسلطاتكم وشعوبكم، على وجودكم هنا الآن. لا في مناسبة بروتوكولية، بل اعترافاً من العالم بلبنان، وطناً ودولة ورسالة ودوراً وضرورة، لمنطقته وللعالم.
▪️أخص بالشكر صاحب السيادة القاصد الرسولي، على الكلمات المعبرة التي تفضلتم بها، باسمكم، كما نيابة عن زملائكم أعضاء السلك الدبلوماسي، لا يمكنني إلا أن أكرر عبركم، شكري وشكر كل شعبي، لقداسة البابا لاوون الرابع عشر، على زيارته الاستثنائية للبنان، والتي كانت فعلاً، نافذة مفتوحة من السماء وعليها، لأيام ثلاثة من المحبة والإيمان والرجاء.
▪️مصادفات التاريخ أرادت أن تضيف بعداً آخر لمناسبتنا هذه. ألا وهو تزامنها القريب مع مضي عام أول على ولايتي الرئاسية، وبداية عامها الثاني. وهو ما يفرض علي أن أستعرض معكم سريعاً، وقائع سنة مضت، بخفاياها ومخاضاتها وما لم أعبر عنه طيلة أيامها.
▪️أصحاب السعادة، قبل سنة وعشرة أيام، تسلمت دولة مثخنة. ومع التأكيد المسبق، بأنني لست من هواة رمي المسؤوليات على مفاهيم غامضة، مثل تركة ثقيلة أو تراكمات متعاقبة. ولا أنا من الذين يتنصلون من واجب، عبر تحميله لغائب أو غيب أو مجهول.
▪️لكننا موضوعياً، تسلمنا دولة خارجة من عشرين سنة من الفراغات، بفعل التطورات والأحداث الهائلة التي شهدناها، منذ استقلالنا الثاني، سنة 2005.
▪️لمجرد التذكير، عرف لبنان منذ ذلك الحين، 62 شهراً وبضعة أيام، من الشغور الرئاسي. يضاف إليها نحو 45 شهراً من الشغور الحكومي المتراكم فوقها. فضلاً عن نحو 60 شهراً من التمديد النيابي ... كل هذا في خلال 20 عاماً.
▪️إذا ما أضفنا إلى تلك الجردة، واقع أن لبنان عاش إبان الفترة نفسها، حربين شاملتين، وسلسلة اضطرابات داخلية كبرى، فضلاً عن أزمات المحيط المستمرة، من فصول عاصفة لا ربيع حقيقياً فيها ... يمكنكم أن تتخيلوا، أي حال لأي دولة تسلمتُ قبل سنة.
▪️منذ اللحظة الأولى، بادرت إلى تحمل المسؤولية وأدائها، رغم كل شيء. وصدقوني حين أقول، رغم كل شيء.
▪️بمعزل عن حملات التشويش والتشويه والتهويل والتضليل، وبإمكانات معروفة لقوانا المسلحة، وفي طليعتها الجيش اللبناني، أستطيع أن أقول لكم، أن الحقيقة هي ما ترون، لا ما تسمعون
▪️ما رأيناه بكل عيوننا، هو أن رصاصة واحدة لم تطلق من لبنان خلال سنة من رئاستي. باستثناء حادثتين فرديتين سُجلتا في آذار الماضي. ولم تلبث سلطاتنا الرسمية أن ألقت القبض على المتورطين فيهما
▪️منذ أكثر من عشرة أشهر الجيش اللبناني والقوى المسلحة اللبنانية وحدها على جنوب الليطاني عملانياً. وقد تولت مهام هائلة لجهة تنظيف مناطق شاسعة من أي سلاح غير شرعي، من أي نوع أو تبعية كان
▪️قد أنجزنا ذلك، رغم كل الاستفزازات ورغم التشكيك والتخوين والتجريح والتجني. مما كنا – وسنظل- نتلقاه ببسمة الواثق من صلابة حقه، وحتمية أداء واجبه، والإيمان بنجاح عمله
▪️وقد حققنا ذلك، التزاماً منا باتفاق 27 تشرين الثاني 2024، الذي أقر بإجماع القوى اللبنانية، قبل رئاستي. وهو تفاهم دولي نحترم توقيعنا عليه. والأهم، حرصاً منا على مصلحة لبنان، وعلى عدم زجه في مغامرات انتحارية، دفعنا ثمنها سابقاً الكثير الكثير
▪️ليكون جنوب لبنان، كما كل حدودنا الدولية، في عهدة قوانا المسلحة حصراً. ولنوقف نهائياً أي استدراج أو انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا. فيما الآخرون، كل الآخرين بلا استثناء، يتحاورون ويتفاوضون ويساومون من أجل مصالح دولهم.
▪️يسعدني أن نلتقي اليوم، وقد تقرر نهائياً موعد انعقاد المؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي
▪️في عنوان إعادة بناء الدولة، فلا وقت كافياً لنا للتعداد والجرد. يكفي أن أذكر بصدور 2240 مرسوماً خلال أقل من سنة من عمر حكومتنا، أعادت تكوين القسم الغالب من إدارات الدولة وأسلاكها الأساسية في العسكر والأمن والدبلوماسية والقضاء والمال والنقد ومختلف إداراتنا العامة. وهو ما سيتم استكماله هذه السنة بالتأكيد.
▪️على المستوى الخارجي، فلقد كان هدفي واضحاً معلناً: أن أعيد لبنان إلى مكانه وموقعه الطبيعيين، ضمن الشرعية العربية، كما الشرعية الدولية والأممية. وهذا ما دأبت على نسجه خطوة خطوة. عبر عشر زيارات لدول عربية شقيقة. وأربع لأخرى أوروبية صديقة. ومشاركة في ثلاث مناسبات دولية، عربية وإسلامية وأممية.
▪️كما استقبلنا رؤساء دول صديقة، وعشرات الوفود الدولية. وكانت ذروة هذا التضامن البهي الجلي مع لبنان، مع زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر.
▪️وإن ننسى، لن ننسى أبداً، حين وقف قداسته ههنا، عشية 30 تشرين الثاني الماضي، ليقول لكل لبنان الملتئم حوله، ولكل العالم المنصت إلى كلامه، وبصوت إيمانه الثابت العميق: "أنتم شعب لا يستسلم. بل يقف أمام الصّعاب ويعرف دائمًا أن يُولَد من جديد بشجاعة. صمودكم هو علامة مميّزة لا يمكن الاستغناء عنها لفاعلي السّلام الحقيقيّين".
▪️كلام اكتسب مع رسالة قداسته الأخيرة مطلع هذه السنة، بعداً أكبر لقضية لبنان ونضالنا نحن بالذات. إذ أكد قداسته أن السلام المطلوب لعالمنا اليوم، هو "سلام مُجرَد من السلاح، ومجرِد من السلاح". داعياً كل الدول والمسؤولين، إلى أن "ينزعوا السّلاح من القلب والعقل والحياة".
▪️وضمن التفكير الإنساني نفسه، وخلال المحطات الخارجية لزياراتي هذه السنة كافة، كانت رسالتي واحدة: لبنان وطنٌ منذور للسلام. فلا جغرافيته، ولا شعبه، ولا طبيعته، ولا فرادته، ولا أي شيء من مكوناته، يوحي بأنه بلد حروب وتهورات
▪️نحن وطن يتنفس السلام. وإن لا يعرف الاستسلام. ولأننا كذلك، ندرك أن السلام الثابت والدائم، هو سلام العدالة. والعدالة تعني إيفاء الحقوق وتبادلها. وأول حق إنساني واجب الوجود، هو الحق في الحياة الحرة الآمنة والكريمة. وهذا ما نريده لوطننا، من جنوبنا إلى كل حدودنا.
▪️هذه عينة محدودة عن جردة عام مضى. حين أعود إليها، أحسبها عقداً أو أكثر. وحين أتطلع إلى الغد، أدرك ان ما زال أمامنا الكثير. لكنني متأكد متيقن حازم جازم، بأننا سنتابع الطريق، وسنكملها وسنصل إلى خواتيمها الخيرة لكل أهلنا وأرضنا. لا ينقص منهم إنسان. ولا يسقط منها شبر.
▪️لذلك، إذ أختم بأن أكرر تمنياتي لأشخاصكم وحكوماتكم وشعوبكم، بكل الخير في السنة الجديدة، أعدكم، أننا السنة المقبلة، وفي تاريخ يوم قريب من تاريخ هذا اليوم، سنلتقي مجدداً هنا، وستكون جردة إنجازاتنا أطول، وسيكون وطني في ظروف أفضل، ويكون أهلي في خير أكثر وحياة أوفر. لأن حقنا أعلى وأكبر.

Social Plugin