ووجّهت المصلحة كتاباً إلى بلدية القرعون، طالبت بموجبه بوقف التسرّب المتكرر والمستمر لمياه الصرف الصحي من محطة الضخ المحاذية لبحيرة القرعون، كون البلدية هي الجهة المسؤولة حالياً عن تشغيل وصيانة المحطة، وهي محطة مخصّصة لضخ المجارير باتجاه محطة مشغرة لتكرير مياه الصرف الصحي.
وأفادت المصلحة، استناداً إلى كشوفات ميدانية متكررة نُفّذت بتاريخ 10 و12 و19 كانون الثاني 2026، أن فرقها الفنية رصدت تدفّق كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي إلى بحيرة القرعون عبر قناة مفتوحة، إضافة إلى انبعاث روائح كريهة من الموقع، ما يشكّل تلويثاً مباشراً وخطيراً للبحيرة.
مصادر في مجلس الإنماء والإعمار أوضحت أن “المحطة التي ذُكرت أعلاه هي جزء من مشروع رفع التلوث عن نهر الليطاني والبحيرة الذي بدأته حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بقيمة 50 مليون دولار، وتم إصلاحها، لكن مشكلتها أنها تضخ مياه الصرف الصحي من القرى المجاورة للقرعون إلى محطة التكرير التي تقع عقارياً في منطقة عيتنيت. وحين تتوقف المحطة عن الضخ، تفيض المياه الآسنة على ضفاف نهر الليطاني”.
وأضافت المصادر أن “المشكلة الدائمة للمحطة هي غياب التيار الكهربائي، وحالياً محطة عبد العال لتوليد الكهرباء لا تُغذي المحطة كما يجب، ويتم الاعتماد على الطاقة الشمسية، وكانت معطّلة خلال الأيام السابقة وتم إصلاحها”.
ويختم المصدر: “نفّذ مجلس الإنماء والإعمار في السنوات الماضية، ضمن المشروع المشار إليه أعلاه، 380 كيلومتراً من البنى التحتية التي تربط القرى بمحطات التكرير، وهناك 5 محطات إضافية قيد التلزيم في البقاع الغربي، إلى جانب محطات تكرير تعمل حالياً (جب جنين، زحلة، القرعون)”.
يؤكد وزير البيئة السابق ناصر ياسين أن “المشكلة الكبرى تكمن في تشغيل هذه المنشآت، إذ لا يكفي إنشاؤها وتلزيم البنى التحتية المرتبطة بها. فهذا نصف المشروع، أما النصف الثاني فهو الإدارة والتشغيل والصيانة. كل ملف الصرف الصحي في لبنان، أزمته الأساسية هي تشغيل وإدارة وصيانة هذه المنشآت”.
ويعطي ياسين مثالاً على ذلك “محطة زحلة التي تم تأمين التمويل لها عبر البنك الدولي والحكومة الإيطالية، ومحطة سد القرعون التي تعمل تحت إشراف البلدية، ومحطة جب جنين بإشراف مصلحة الليطاني”. ويضيف: “لكن في الواقع، هذه المحطات هي من مسؤولية مؤسسات المياه، والقانون واضح في هذا المجال، إلا أنها لا تملك لا القدرة المهنية ولا المالية لإدارتها، خصوصاً في المرحلة السابقة من الأزمة”.
ويشير إلى أن “هناك محطات كلّفت مئات ملايين الدولارات، كطرابلس مثالاً، لكنها لا تُشغّل بسبب غياب التمويل لإدارتها وصيانتها”.
ويجزم ياسين بأن “إدارة هذه المنشآت هي من صلاحيات مؤسسات المياه، ويجب أن تُخصص وزارة الطاقة والمياه والحكومة موازنة لصيانة وتشغيل وإدارة هذه المحطات التي كلّفت ملايين الدولارات، لأن أثر عدم تشغيلها، بيئياً واقتصادياً واجتماعياً، يكلف أموالاً طائلة تفوق الكلفة التي يمكن أن تُصرف عليها لإدارتها وصيانتها وتشغيلها”.
ويختم: “أي مشروع للصرف الصحي يقوم نجاحه على أمرين: الأول تخطيط المنظومات بشكل متكامل (محطات ضخ ومحطات معالجة)، والثاني تأمين التمويل للإدارة والتشغيل والصيانة، وهذا ما يجب أن تعمل عليه الحكومة والوزارة المختصة. المسؤولية لإدارة هذه المحطات تقع على مؤسسات المياه، وهذا ما تريده هذه المؤسسات لأنها لا تملك الأموال لإدارة هذه المحطات. ولذلك فإن دور مجلس النواب هو فتح موازنات لتأمين هذه الأموال عبر إيرادات معينة (رسوم/هبات/ضرائب)”.
إن أهمية الإضاءة على محطة الضخ والتكرير المعطّلة تكمن في أن تلوث بحيرة القرعون، وهي أكبر خزان مائي في لبنان على نهر الليطاني، يترك أضراراً بيئية واقتصادية كبيرة تؤثر على البيئة والصحة والزراعة والطاقة والأمن الغذائي في لبنان. ويتجلى ذلك عبر تدهور جودة المياه، إذ إن البحيرة تتلقى كميات كبيرة من المياه الملوثة بالصرف الصحي المنزلي والصناعي، ما يرفع تركيز السموم والملوثات في الماء ويقلّل من صلاحيته للاستخدامات المختلفة.
ويؤدي هذا الواقع إلى نفوق الأسماك بسبب التلوث الشديد، كما حصل في مراحل سابقة، ما يضعف التنوع البيولوجي ويقلّل من المصايد المحلية. وبحسب الخبراء، فإن التلوث العضوي يؤدي إلى استهلاك الأوكسجين في الماء، ويضغط على الحياة المائية، ما يتسبب بنفوق الأسماك وكل الكائنات التي تعتمد على الأوكسجين.
كما أن الملوثات مثل المواد الكيميائية الزراعية والمخلفات الصناعية تسهم في زيادة النمو المفرط للطحالب (تزهّر الطحالب)، ما يغيّر النظام البيئي للمياه ويُضعف الحياة الطبيعية في البحيرة. ومع انخفاض جودة المياه وارتفاع درجات الحرارة الجوفية، تتدهور موائل الطيور والحياة البرية والغطاء النباتي المحيط بالبحيرة.
وتنعكس الأضرار على المجتمع المحيط بالبحيرة، وأبرزها تراجع الإنتاج الزراعي، إذ يعتمد المزارعون على مياه البحيرة للري، ومع تلوث المياه وشحّها يضطرون إلى البحث عن مصادر بديلة غالباً ما تكون أقل جودة وأعلى كلفة، ما يزيد الأعباء ويؤثر على المحاصيل.
كما تُستخدم البحيرة في تشغيل محطات توليد الكهرباء مثل محطة عبد العال، وانخفاض مستوى المياه وتدهورها بيئياً يؤدي إلى إيقاف تشغيل هذه المحطات، ما يزيد من تكاليف الطاقة ويزيد العبء على شبكة الكهرباء الهشة أساساً في لبنان.
ومع ارتفاع نسبة تلوث المياه، تصبح تكاليف معالجة المياه للاستخدام البشري أو الزراعي أعلى، إن كانت ممكنة أصلاً، ما يزيد العبء المالي على الحكومة والمزارعين.
ومن الآثار السلبية لتلوث البحيرة، ومع موت الأسماك وتراجع جودة المياه، فقدان المصايد قيمتها التجارية والسياحية، ما يقلّل الإقبال على الأنشطة الترفيهية والسياحية في المنطقة. كما أن التلوث المائي قد يؤدي إلى مشكلات صحية في حال استُخدمت المياه الملوثة في الشرب أو الري، ما يزيد من تكاليف الرعاية الصحية ويؤثر على القدرة الإنتاجية للسكان.
وكانت تقارير موثوقة قد أشارت في مراحل سابقة إلى أن نسبة الإصابة بمرض السرطان هي الأعلى في منطقة البقاع الغربي بسبب تلوث المياه.

Social Plugin