المدن - نغم ربيع
صورتان تنتشران في مواقع التواصل الاجتماعي لرئيس مجلس النواب نبيه بري، منذ اغتيال أمين عام "حزب الله" حسن نصرالله، ويتجدد نشرهما في الذكرى السنوية الأولى لدخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. تجمعه الأولى بالمرجع الديني البارز السيد علي السيستاني، وهي صورة من لقاء سابق.. أما الثانية فتجمعه بأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني في بيروت.
والصورتان، بتكريسهما في التداول الرقمي، تتوجان بري مرجعية سياسية حصرية لشيعة لبنان، وذلك على ضوء جهوده في مفاوضات وقف الحرب. يتعزز هذا الاستنتاج من مجموعة مؤشرات أخرى، تبدأ من تصريحات مسؤولي "حزب الله"، بشأن زعامة بري وإيكاله مهمة اتخاذ القرار، طالما أن المعركة، في خلفية تفكير الحزب، لم تعد ضده فحسب، بل تطاول الطائفة الشيعية.. أما المؤشر الثاني، فيُستند إليه من حجم التفاعل الشعبي مع بري منذ نهاية الحرب الموسعة في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
وبات بري، في نظر المنتمين للطائفة الشيعية، الزعيم الوحيد للطائفة. مقابل الجامعة الأميركية في بيروت، تُعلق صورة عملاقة له بعد الانتخابات الطلابية الأخيرة، وهي المنطقة التي تمثل، منذ خمسينيات القرن الماضي، مختبراً للتغيرات السياسية، وتتأثر بديناميات الحراك السياسي الداخلي والاقليمي.. أما في مواقع التواصل، فتنتشر مجموعة من الأناشيد الموسيقية المؤيدة له.
بالنسبة إلى كثيرين، بات بري اليوم "الملهم الشيعي الأول" بعد اغتيال نصرالله، وما ولّده ذلك الغياب من فراغ داخل البيئة الشيعية حيث تقاسم الرجلان زعامة الطائفة ضمن مسار سياسي واجتماعي واحد، وأطلق عليها "الثنائي الوطني"، حسب توصيفهما، و"الثنائي الشيعي"، حسب توصيف خصومهما.
ملأ برّي الفراغ القيادي عند الطرفين، بسرعة لافتة. لم يكتفِ بتثبيت موقعه التقليدي كرئيس مجلس نواب، ورئيس لـ"حركة أمل"، بل تحوّل إلى مرجعية قيادية، مشارك رئيسي في صناعة القرار، ومُدبّر مخرجات، وحامل لمعادلة توازن دقيقة داخل الطائفة، فضلاً عن دوره السياسي البارز في المشهد السياسي اللبناني.
*الفراغ والأزمات والدهاء*
وتصدره لهذه الصورة، يعود بشكل أساسي الى غياب نصرالله. لم تعد هناك ثنائية في القيادة، رغم أن الحزب ملأ الشغور فيه على مستوى المواقع السياسية والهيكلية التنظيمية. فرضته الظروف قائداً لجمهورين يتقاطعان عند ملفات، ويتباينان عند أخرى. فمع الأزمات المتلاحقة، ارتفعت الحاجة إلى "مدبّر" يمسك بالخيوط. وهنا تقدّم نبيه برّي، بكامل تجربته: البراغماتية، الصبر الطويل، والقدرة على تفكيك العقد وربطها من جديد.
الاختبار الأول كان حين طُرح إقضاء الثنائي عن تسمية ممثليهم في الحكومة. بدت تلك لحظة إعلان نهاية نفوذ. لكن برّي قلب المشهد وسمّى 4 وزراء شيعة، بالشراكة مع "حزب الله"، ووزير خامس بالشراكة مع الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام. هذه كانت إشارة القوة الأولى بعد الفراغ. والاختبار الثاني كان إيجاد مخرج لقرار "حصرية السلاح". أيّ خطوة خاطئة كانت ستشعل مواجهة، أو تُظهر الحزب مكسوراً ومستسلماً. لكن برّي قدّم توليفة مع الرئيس جوزاف عون. منطقة وسط: لا مواجهة مباشرة، ولا استسلام. لا كسر لهيبة السلاح، ولا خضوع للضغط الدولي. مساحة وسطى تحفظ ماء وجه الجميع، وتمنح كل طرف ما يحتاجه للخروج "مرتاحاً".
واليوم، ينتقل برّي إلى معركته الأهم لتثبيت موقعه الجديد كقائد المرحلة، قانون الانتخاب. معركة "اقصاء الطائفة انطلاقاً من نتائج الحرب الأخيرة"، كما يتهم الثنائي خصومه.. ومعركة "تكريس الشيعة كمكون مؤسس وشريك في المشهد اللبناني"، حسبما يقول "الثنائي".
*مظلّة عابرة للطوائف*
بهذا المعنى، لم يعد برّي مجرّد رمز شيعي لبناني. بدوره الإقليمي، وعلاقاته مع المؤسسة الشيعية في العراق وإيران، ومع السفراء ومراكز النفوذ والقوى الغربية والعربية، تجاوز الحدود الضيقة لزعامة الطائفة. يعترف خصوم بري بتلك الوقائع، وينتظرون الانتخابات لتقويض هذا النفوذ. لم يعد ذلك سراً، فقد تم التعبير عنه في تصريحات سياسية، وفي مداولات إعلامية ورقمية. من هنا، تأتي حملة استهداف نبيه برّي. ليست حملة على رئيس مجلس نواب. هي محاولة لكسر الهالة الشيعية الجديدة التي تشكّلت بعد اغتيال نصرالله.
وفي مقابل تلك الحملة، يتصدر "حزب الله" لائحة المتمسكين ببري. قال النائب عن الحزب علي عمار إن "نبيه تاج الرأس"، فيما ذهب النائب محمد رعد إلى الحدّ الأقصى، حين قال: "لو توفّي بري، سننتخبه مجدداً". جملة تبدو ساخرة، لكنها في السياسة تشبه إعلان ولاء مطلق. أمّا نعيم قاسم، الذي كرر ما كان يقوله نصرالله عن "بري الأخ الأكبر"، فأعاد سرد علاقته مع برّي بطريقة تكاد تلامس إعلان شراكة وجودية.
أصبح برّي نقطة الارتكاز للطائفة الشيعية، أما المسار فبات يمرّ إلزاميًا عبر عين التينة. لم يعد شاهداً على مرحلة ما بعد نصرالله، بل صانعها. يتحدّث مع الخارج والداخل، يفاوض، يلين ويتصلّب، ويمنع الانفجار في لحظات كانت قابلة للانهيار الكامل. هو الذي يرمّم الشرخ بين الدولة والطائفة، ويعيد هندسة العلاقات.
